الفصل الثلاثمئة والرابع والسبعون: بخارستان لا تأتي بالنسب وحده
في الأيام التالية،
عاد الوفد القادم من بخارستان إلى البيت مرةً أخرى،
لكن هذه المرة لم تكن الزيارة زيارة تعارفٍ وحنين وتثبيت معنى الأصل فقط،
بل زيارة اختبار نوايا.
كان في المجلس سعيد،
وصفية،
وعبد الملك،
ومحمد،
ومعهم من يجب أن يسمع ويفهم ولا يتكلم كثيرًا.
أما الرجال القادمون،
فقد خففوا من المجاملة سريعًا،
ودخلوا إلى ما يجب أن يُقال.
قال الشيخ البخاري الوقور:
— لا نريد أن نضع بين أيديكم نسبًا تستظلون به ثم يثقل عليكم.
ولا نريد أن نأتيكم برجالٍ يزيدون عددكم ويقللون صفاءكم.
لكننا نرى أن ما يثبت في البوسنة اليوم لا ينبغي أن يبقى بلا صلةٍ علميةٍ وسياسية وأسرية بما وراءه.
ثم نظر إلى صفية، وقال:
— أنتِ لستِ فقط ابنة بيتنا التي خرجت ثم عادت.
لقد صرتِ في أعين كثيرين بابًا يمكن أن يصل بين جهتين من العالم الإسلامي:
جهةٍ تحمل الأصل والرسوخ،
وجهةٍ تحمل المخاض والقيام.
كان الكلام يخرج في المجلس بثقلٍ يعرفه من خبر الرجال الكبار.
ليس فيه افتخارٌ أجوف،
ولا عواطف زائدة،
بل شيء أقرب إلى قراءة القدر.
قال سعيد:
— ونحن لا نرفض هذا.
لكننا نخاف من صلةٍ تأتي قبل أن يكون ما تحتها مستعدًا لحملها.
فقال الرجل السياسي بينهم:
— ولهذا جئنا لا لنفتح لكم بابًا واسعًا دفعةً واحدة،
بل لنقول:
ابدأوا بما يثبت.
الرجال الذين تحتاجونهم لا الذين يكثرون حولكم.
العلم الذي يحفظ الميزان لا الذي يبهركم باسمه.
والصلة التي تزيدكم رسوخًا لا تلك التي تعطي خصومكم ذريعةً ليقولوا:
ها هم لم يقفوا إلا بغيرهم.
وهنا،
تكلم محمد،
وكان طوال المجلس يصغي أكثر مما يتكلم.
قال:
— إن دخلت بخارستان معنا،
فأحسب أن أول ما نحتاجه منها ليس السيوف ولا الأموال،
بل الرجال الذين يعرفون كيف تُبنى الدولة من جهة العلم والوقف والتعليم وتربية الصف الثاني.
فإذا ثبت هذا،
صار ما بعده أقرب أن ينفع.
هزّ الشيخ رأسه،
وقال:
— وهذا جواب رجلٍ يفهم أبعد من لحظته.
ثم أضاف:
— سنبدأ من هنا إذن.
من المعلمين،
ومن الفقهاء،
ومن رجال الإدارة الصادقة،
لا من أصحاب الضجيج.
وكانت صفية تسمع،
وقلبها يموج بمشاعر لا تختصرها الكلمات.
هذه بخارستان التي خرجت منها رضيعةً منقطعةً عن أصلها،
ثم عادت إليها امرأةً وزوجةً وأمًّا،
ها هي الآن لا تعود إليها لتبكي ماضيها فقط،
بل لتربط مستقبل ابنها وبلادها بجذرها الأول.
ولما انفضّ المجلس،
قالت لسعيد في خلوة:
— لم أعد أشعر أن الأصل مجرد حنين.
أشعر أنه صار جزءًا من الواجب.
قال:
— نعم.
لكن تذكري دائمًا:
الأصل إذا لم يدخلكِ في الحاضر،
تحول إلى تمثالٍ من الذكرى.
وأنا أرى أن الله أراده لكم هذه المرة عملًا لا مجرد عزاء.