الفصل الثلاثمئة والثاني والستون: رسالة من بخارستان
في تلك المرحلة،
جاءت إلى البيت رسالةٌ من بخارستان.
لم تكن الرسالة من الغريب البعيد،
ولا من تاجرٍ عابر،
بل من موضع الأصل الذي خرجت منه صفية يومًا،
ثم عادت إليه،
ثم حملت منه ما حملت من معنى النسب والعلم والهيبة والتاريخ.
وكان في الرسالة شيءٌ من الحنين،
وشيءٌ من السياسة،
وشيءٌ من نداء الدم أيضًا.
قرأها سعيد أولًا،
ثم قرأتها صفية بعده،
وطال بينهما الصمت.
جاء فيها أن أخبار البوسنة خرجت إلى ما وراءها،
وأن اسم عبد الملك لم يعد يُذكر في نطاقٍ ضيق،
بل بدأ يرد في مجالس بخارستان على أنه الرجل الذي التقت فيه شجاعة الدولة الصاعدة مع وراثة العلم والبيت.
وجاء فيها أيضًا أن بعض الوجوه القديمة من أهل بخارستان
— ممن يعرفون من صفية نسبها وقصتها ورحلتها وخروجها وعودتها —
صاروا يقولون إن ما يجري في البوسنة ليس شأنًا محليًا فحسب،
بل يمكن أن يكون مفتاحًا لتحولٍ أوسع إذا أُحسن وصله بين الشرق والغرب.
وكانت الرسالة موقعةً من قريبٍ أو وجهٍ من وجوه أهل صفية،
ممن يحملون احترامًا لسعيد،
ويعرفون أن الوقت لم يعد وقت المجاملات،
بل وقت الصلات الثقيلة.
قالت صفية بعد أن فرغت من القراءة:
— لقد بدأ الأصل يسمع الصدى.
قال سعيد:
— نعم.
وهذا طبيعي.
فإذا ثبت فرعٌ من شجرةٍ عريقة في أرض البلاء،
التفت الأصل إليه.
ثم أضاف:
— لكن علينا أن ننتبه.
فكل يدٍ تمتد إلينا من بعيد ليست يدًا صالحة بالضرورة،
وكل نسبٍ لا يكفي وحده ليكون بابًا مفتوحًا.
إنما نأخذ من بخارستان ما يثبت المعنى،
ولا نسمح أن تدخل علينا منها أثقالُ الطمع أو صراعاتُ البيوت القديمة.
ثم دعا عبد الملك ومحمد.
وقرأ عليهما الرسالة.
أما محمد،
فأدرك في الحال أن هذا يعني اتساعًا في الشرعية العلمية والسياسية معًا.
وأما عبد الملك،
فشعر بثقلٍ آخر يضاف إلى ما عنده:
أن البوسنة لم تعد فقط تنظر إلى نفسها،
بل بدأت تنظر إليها عيون الأصل في بخارستان،
وعيون الحرمين،
وعيون البيت السعودي،
وأن هذه الخيوط كلها إذا التقت،
فقد تفتح أبوابًا عظيمة نعم،
لكنها قد تجلب معها امتحاناتٍ أعظم.
قال:
— أخاف أن يسبق إلينا من البعيد ما لم يثبت بعد قريبًا.
فقال سعيد:
— ولهذا أقرأ فيك خيرًا.
لا أريدك أن تنبهر بالأفق حتى تنسى الأرض تحت قدميك.
لكنني كذلك لا أريدك أن تحصر نفسك في المدينة حتى تنسى أن قدرك أكبر من جدرانها.
ثم قال:
— سنجيب بخارستان.
لكن لا جوابَ مديح،
ولا جوابَ استدعاءٍ مبكر.
بل جوابَ رجلٍ يعرف أن الصلة تُبنى على المقصد لا على الحنين وحده.
وكان هذا أول خيطٍ واضحٍ يربط المرحلة القادمة بما وراء البوسنة.