الجزء الثالث والأربعون: حين اتّسع الأفق

الفصل الثلاثمئة والحادي والستون: الاستقرار الأول ليس سكونًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والحادي والستون: الاستقرار الأول ليس سكونًا

لم يكن الاستقرار الذي نزل على المدينة في تلك الأيام استقرارَ نهاية،
ولا راحةَ قومٍ بلغوا ما أرادوا،
بل كان أشبه بأول نفسٍ منتظمٍ بعد ركضٍ طويل.

وهذا النوع من الاستقرار أخطر من الفوضى أحيانًا.
لأن الفوضى توقظ الناس،
أما الاستقرار الأول فقد يخدع بعضهم فيظنون أن ما تحقق كافٍ،
وأن الطريق قد صار أوضح مما هو عليه في الحقيقة،
وأن الدولة إذا مشت في السوق والجامع والأحياء،
فقد أمنت ما بعدها.

لكن سعيدًا لم يكن من هذا الصنف.

كان يرى بعينه التي تعبَت من قراءة الرجال والأيام أن الاستقرار الأول ليس إلا عتبةً جديدة،
وأن ما بعدها سيحتاج إلى عقلٍ أبرد من عقل البداية،
وصبرٍ أشد من صبر الجرح،
وأفقٍ أوسع من أفق المدينة نفسها.

جلس ذات مساء مع عبد الملك وحده،
وقد خفَّ ضجيج المجالس في البيت،
وصار لكل شيءٍ فيه إيقاعٌ معلوم.
وقال له:

— الآن،
بدأ الناس يرتبون يومهم على أنك موجود.
وهذه أعظم منزلةٍ يبلغها رجلٌ في الحكم قبل أن يكتمل ملكه.
لكن احذر من شيءٍ واحد:
أن تظن أن هذا يكفي.

قال عبد الملك:
— بل أشعر أنه يزيد الخوف في قلبي.
كلما رأيتُ الناس يعتمدون على وجودي أكثر،
زاد خوفي أن أخطئ في بابٍ صغيرٍ فيرتد أثره على أبوابٍ كثيرة.
تبسم سعيد، وقال:
— وهذا خير.
لكن لا تجعل الخوف يعقد يدك.
إنما اجعله يطهّر نيتك ويمنعك من الاسترخاء.
ثم أضاف:
— المدينة استقرت أولًا،
لكن الاستقرار إن لم يُفتح على أفقٍ أوسع،
صار هو نفسه سجنًا جميلًا.

رفع عبد الملك رأسه:
— أفقٌ أوسع؟
قال سعيد:
— نعم.
فالبوسنة لا تقف عند قلب مدينة،
ولا عند رقعةٍ أولى،
ولا عند سوقٍ وجامعٍ وأحياء.
هذه كلها كانت لتعلمنا كيف نمسك الروح قبل أن نمسك الامتداد.
أما الآن،
فعلينا أن نسأل السؤال الذي يؤجل كثير من الناس طرحه خوفًا من ثقله:
ما شكل البوسنة إذا خرجت من حال الدفاع عن نفسها
إلى حال بناء مشروعها على مدى أبعد؟

وسكت قليلًا، ثم قال:
— لا أريد توسعًا مجنونًا.
ولا أريد أن نضيع ما بنيناه في لهفة المسافات.
لكنني أريد أن يبدأ الأفق في عقولنا أكبر من المدينة،
حتى لا نُختزل فيها ونصير أسرى نجاحنا الأول.

وكانت هذه بداية تحولٍ جديد.

لم يعد عبد الملك فقط رجلًا يتعامل مع المدينة بوصفها الجرح الأجمل والأثقل،
بل بدأ يفكر فيها بوصفها قاعدة،
لا سقفًا نهائيًا.