الجزء الثاني والأربعون: حين صار الجرحُ درسًا

الفصل الثلاثمئة وثمانية وخمسون: أول إدارةٍ حقيقية في قلب المدينة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وثمانية وخمسون: أول إدارةٍ حقيقية في قلب المدينة

بعد أن بدأت المدينة تشعر أن الدولة “تمشي”،
رأى سعيد أن الوقت قد جاء لشيءٍ آخر:
أن لا يبقى الحكم الجديد موزعًا في صورة مبادراتٍ حسنة وأبوابٍ متعاونة فقط،
بل أن يبدأ في أخذ شكل الإدارة.

فالحكم العادل إذا لم يتجسد في صورة معلومة،
قد يحبه الناس نعم،
لكنهم يظلون يرونه فضلًا من رجلٍ صالح لا نظامًا يمكن أن يُعتمد عليه.
وسعيد كان يريد منذ البداية أكثر من “صلاح رجل”.
كان يريد قيام عهد.

ولهذا،
دعا إلى مجلسٍ جديد في قلب المدينة،
لكن ليس مجلس وجوه وشهود فقط،
بل مجلس تنظيم.

قال فيه عبد الملك:

— لقد مضى زمنٌ كان الناس فيه يأتون إلينا بما تيسر من حاجات المدينة،
فنردّها بحسب ما نستطيع من عدلٍ ونظام.
أما الآن،
فلا بد أن تعرف المدينة أين تذهب،
ومن يسأل،
ومن يرفع،
ومن يفصل،
ومن يحفظ،
ومن يراجع.
ثم أضاف:
— لا أريد لعدلكم أن يبقى معلقًا بمزاج ساعةٍ أو قرب رجل،
بل أن يدخل في صورةٍ تعرفها المدينة كما تعرف الأسواق أبوابها.

ثم أعلن أول ترتيبٍ واضح:
مجلسٌ للخبز والسوق والتموين.
ومجلسٌ للحقوق والنزاعات والصلح.
ومجلسٌ للعلماء وشؤون الجامع وما يتصل باللسان العام.
ومجلسٌ للأحياء والفقراء والأرامل والمرضى.
وطبقةٌ خفية، لا تُسمّى كلها، لحفظ الطرق والرسائل والليل.

وكان كل مجلسٍ فيه من يعرف بابه.
لا من باب القرابة فقط،
ولا من باب الحماسة،
بل من باب القدرة والأمانة.

قال شيخ السوق:
— هذه أول مرة لا نشعر فيها أننا نأتي إلى باب رجل كريم فنرجوه،
بل إلى باب مدينة بدأت تعرف نفسها.
وقال عالم:
— وبهذا فقط نمنع أن يصير العدل عادةً مرتبطة بشخص.
فأومأ محمد، لأنه كان يعرف أن هذه الجملة وحدها تساوي كثيرًا من العمل.

أما عبد الله،
فلما بلغه تفصيل ما رُتّب وهو في موضعه،
شعر بوجعٍ عجيب ولذةٍ عجيبة معًا.
وجع لأنه كان يحب أن يكون واقفًا هناك،
ولذة لأنه رأى بأم عينه أن الدولة بدأت تخرج من الأشخاص إلى الأبواب.

وقال لمحمد:
— الآن فقط أفهم أن الجرح إذا أُحسن حمله،
قد يسرّع من النضج أكثر مما يسرّعه الأمان الطويل.
فقال محمد:
— نعم.
لأن الأمان أحيانًا يترك الرجل يؤخر ما يجب أن يفعل.
أما الجرح،
فهو يقول له:
إمّا الآن،
أو لا تتعلم.

ومنذ ذلك المجلس،
لم تعد المدينة فقط تقول إن الدولة تمشي،
بل بدأت تقول:
— لقد صار لها وجهٌ ونظام.

وهذا تطور كبير جدًا.
لأن الدول تبدأ في القلوب،
لكنها تثبت في الدفاتر والأبواب والوجوه المعروفة.