الفصل الثلاثمئة وأربعة وخمسون: عبدالله يتعلم السكون
أما عبدالله،
فقد دخل في أيامٍ من الألم والسكون لم يكن يعرفها لنفسه.
هو الذي اعتاد أن يكون في قلب الحركة،
وفي أطراف الأخبار،
وعند عقدة كل خيط،
وجد نفسه فجأةً مضطرًا أن يسلّم بعض ما بيده،
وأن يرى بعينيه كيف يحمل غيره ما كان يظنه لا يحمل إلا على طريقته.
وكان هذا من أشق الدروس عليه.
قال لمحمد في ليلةٍ هادئة،
وقد هدأ الوجع قليلًا واشتدّ ما بعده من التفكير:
— كنت أظن أن خوفي الأكبر أن أموت قبل أن يرتب ما تحت يدي.
أما الآن،
فأرى أن خوفي كان ناقصًا.
— كيف؟
— لأنني كنت أرتب،
لكن في بعض الأبواب كنت لا أزال أحمل أكثر مما ينبغي وحدي.
فجاء الجرح ليقول لي:
إذا أردت للدولة أن تقوم،
فلا تجعل نفسك مفصلًا لا يُستبدل.
نظر إليه محمد طويلاً،
ثم قال:
— وهذه حكمة باهظة الثمن،
لكنها من الرحمة أيضًا.
لأنك لو لم ترها إلا بعد زمنٍ أطول،
ربما دفعت ثمنها أكثر.
وسكت عبدالله،
ثم قال:
— كنت أظن أن الخفاء راحة.
أما الآن فأرى أن الخفاء أيضًا فتنة.
— كيف؟
— لأنه قد يخدع الرجل فيظن أن لا أحد يمكن أن يحمل ما يحمل،
فيمسك أكثر مما ينبغي،
ثم يصير هو نفسه ثغرةً دون أن يقصد.
ثم ابتسم ابتسامةً متعبة:
— أظن أن الله علّمني بهذا الجرح ما لم تكن الكلمات تكفي فيه.
وكانت هذه هي حقيقة الجزء كله.
فعبدالله لم يخرج من الجرح أضعف فقط،
بل خرج أعمق.
تعلم أن الدولة لا تحيا برجالٍ يملكون أسرارها وحدهم،
بل برجالٍ يعرفون كيف يربون من بعدهم،
وكيف يوزعون ما يحملون قبل أن يُجبَروا على ذلك.
وهذا المعنى،
رغم ألمه،
كان من أنفع ما خرج به البيت كله من هذه الضربة.