الفصل الثلاثمئة وواحد وخمسون: الليلة التي لم يُسمح فيها للجرح أن يحكم
لم تكن إصابة عبدالله جرحًا في جسده وحده،
بل كانت محاولةً صريحة لأن يُصيب الخصم المعنى الذي لم يكن يراه الناس في الضوء،
لكنه كان قائمًا تحته:
العصب.
العصب الذي يربط السوق بالحي،
والحي بالجامع،
والجامع بالبيت،
والبيت بالطريق،
والطريق بالمدينة والرقعة الأولى.
ولهذا،
فإن الخطر الحقيقي لم يكن في الدم الذي خرج من جسده،
بل في الاضطراب الذي كان يمكن أن يدخل القلوب إذا شاع أن الرجل الذي يحمل خيوطهم قد ضُرب،
وأن المشروع قد أصيب في موضعه الأشد حساسية.
لكن سعيد لم يسمح للجرح أن يحكم الليلة.
جمع من يلزم فقط،
وأغلق الباب على فوضى التفسير،
وقال لعبد الملك ومحمد وصفية،
ومن حضر ممن ينبغي أن يعلم ولا يزيد:
— من هذه الساعة،
لا أريد أن يخرج إلى المدينة أننا ارتبكنا.
يخرج إليها الحق فقط:
أن عبدالله ضُرب،
وأنه حي،
وأن الأوراق لم تضِع،
وأن الطريق لم يُكسر،
وأن المشروع لا يقوم على جسد رجل واحدٍ وإن كان عزيزًا علينا.
ثم أضاف:
— إذا خرج من البيت غير هذا،
فقد أعنّا من ضربوه على ما أراد.
ونظر إلى عبد الملك،
وكان يرى في وجهه ألم الأخ وغضب القائد معًا، فقال:
— أصعب ما ستفعله الليلة أن لا تتصرف كأخٍ جُرح أخوه فقط.
بل كرجلٍ عُرف الآن ما الذي يريد خصمه كسره فيه.
فإن خرجتَ إلى المدينة بوجه ثائر،
علّمتها أن الجرح هزّ مركزها.
وإن خرجتَ بوجهٍ باردٍ باردًا كالكذب،
لم تصدقك.
أريدك أن تخرج بوجه الرجل الذي تألّم… ثم رتّب.
كانت العبارة ثقيلة.
لكنها كانت هي المنقذ الوحيد من أن يتحول هذا الجرح إلى زلزال.
أما صفية،
فجلست عند رأس عبدالله بعد ذلك.
لم تُكثر الكلام،
ولا استسلمت لضعفٍ يجرّ البيت كله إلى حزنٍ بلا عمل،
بل كانت تفعل ما تفعله الأمهات العظيمات في الساعات الفاصلة:
تحفظ للجرح إنسانيته،
وللبيت نظامه،
وللرجل المصاب كرامته.
قالت له حين أفاق قليلًا:
— لا تخف على ما وراءك.
سنحمله.
ففتح عينيه،
وقال بصوتٍ متعب:
— لا أريد… أن يضطربوا.
فقالت:
— وقد فهمنا.
ولذلك لن نسمح للجرح أن يحكمنا.
وكانت هذه الجملة هي عنوان الليلة كلها.