الجزء الحادي والأربعون: الساقُ التي أرادوا كسرها

الفصل الثلاثمئة وثمانية وأربعون: الطريق الذي عرفوه وأرادوا أن يفسدوه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وثمانية وأربعون: الطريق الذي عرفوه وأرادوا أن يفسدوه

خرج عبدالله في اليوم التالي على عادته المحسوبة.

لم يكن معه موكب،
ولا عدد كبير،
بل معه رجلان من أهل الثقة،
وأوراق لا توحي في ظاهرها بشيءٍ ذي خطر،
لكنها في حقيقتها كانت تحمل ترتيباتٍ دقيقة لمرحلةٍ جديدة من إحكام المدينة والرقعة الأولى معًا.

كان من عادته أن يتحرك في الطرق المعروفة أحيانًا حتى لا يعلم الناس عنه أنه صار أسير طرقٍ خاصة،
فهذا يشي بالخوف ويعلم الخصم أين ينظر.
ومن عادته كذلك أن يبدّل بعض تفاصيل سيره فجأة،
فلا يثبت على نمطٍ واحد.

وفي ذلك اليوم،
كان الجو باردًا على نحوٍ جاف،
لا مطر فيه،
لكن السماء كأنها ممسوكةٌ من الداخل.
مرّ بطرف السوق،
ثم خرج إلى ناحية بين المدينة والرقعة الأولى،
حيث يلتقي طريقان:
أحدهما ظاهر يألفه الناس،
والآخر يمر على بيوت قليلة وأشجار متناثرة،
ثم ينحدر إلى مساحةٍ شبه خالية قبل أن يتفرع من جديد.

وكان يعرف الطريق.
وعرفته له الأعين أيضًا.

لم يكن الذين أعدّوا له الضربة يريدون اغتيالًا فجًا في قلب السوق،
ولا اعتقالًا علنيًا يصنع من عبدالله اسمًا جماهيريًا سريعًا.
أرادوا شيئًا أدق:
أن يضربوا العصب في موضعٍ يمكن أن يُقال بعده:
حادثة طريق،
أو اشتباك غامض،
أو ثأر قديم.
وفي الوقت نفسه،
يكون الضرب كافيًا ليهزّ الشبكة كلها.

وحين بلغ عبدالله الموضع الذي تتفرق فيه الطريقان،
أحسّ بتلك الرعشة التي ورثها من كثرة ما عاش في الظلال.

لم يقطع السير فورًا،
لكنه ضيّق عينيه،
ونظر إلى طرف التراب،
ثم إلى ظل شجرةٍ في غير موضعها المريح،
ثم إلى رجلٍ بعيدٍ يتظاهر بأنه يعالج أمرًا في دابته.

قال للرجلين معه بصوتٍ خفيض:
— لا يسبقني أحد.
التصق أحدهما به،
وقال الآخر:
— أترى شيئًا؟
فقال عبدالله:
— أرى ما يكفي لأن لا أحب الطريق كما أحببته أمس.

وفي اللحظة التي قال فيها الجملة،
خرجت الحركة من أكثر من موضع.

لم يكونوا كثيرين،
لكنهم كانوا يعرفون ما يريدون:
أن يشلوا الرجل أولًا،
وأن يمنعوا مرافقيه من أن يفهموا الصورة كلها،
وأن يتم الأمر بسرعة قبل أن يلتفت المارّة أو يصل صوتٌ بعيد.

اندفع أولهم،
فمال عبدالله جانبًا على نحوٍ لا يفعله إلا من عاش طويلًا يتوقع الفخاخ.
ودخل الرجلان معه في الاشتباك.

لم يكن عبدالله رجل حرب على صورة أخيه عبدالملك،
لكنه لم يكن ضعيف البدن ولا بطيء الحس.
كان من أولئك الذين يشتدون إذا اضطروا،
لكنهم لا يجعلون الجسد طريقهم الأول في حل الأزمات.

ومع ذلك،
في تلك اللحظة،
لم يعد هناك وقتٌ إلا لما يفعله الجسد.

وقع دفعٌ وصدام،
وطُرحت بعض الأوراق،
وتشابكت الأيدي،
وسقط أحد المهاجمين على ركبته،
وتلقى أحد رجلي عبدالله ضربةً في كتفه أو وجهه،
ثم انقضّ رجل آخر من جهةٍ لم يتهيأ لها كما ينبغي.

كانت الضربة هذه المرة محسوبة:
لا يريدون مقتله السريع المؤكد،
بل إصابةً تشلّه أو تهزّ المركز الذي يتحرك منه.

تلقى عبدالله الضربة في جنبه أو كتفه أو ذراعه على نحوٍ جعله يترنح خطوة،
لكن عينيه لم تنطفئا.
رفع صوته لأول مرة،
لا صراخًا،
بل أمرًا:
— الأوراق!

وكانت هذه الكلمة تكشف من هو الرجل في لحظة الخطر.
لم يقل: أنقذوني.
ولا: اقتلوهم.
بل قال:
احفظوا ما حملناه.

التقط أحد الرجلين الأوراق بسرعة،
ودفعها في صدره أو تحت ثوبه،
بينما دخل عبدالله بجسده في موضع الصدمة الثانية.

وكان المهاجمون قد فهموا أن الرجل،
حتى وهو مصاب،
لا يزال يفكر كعصب لا كجسد فقط.

وفي لحظةٍ قصيرة،
وصل صوت بعيد،
أو مرّ رجل من أهل الطريق،
أو أحس المهاجمون أن الموضع لم يعد مضمونًا تمامًا،
فانسحبوا كما دخلوا تقريبًا،
سريعين،
مخلّفين وراءهم ارتباك الطريق،
وغبارًا،
وجرحًا سيقول للبيت كله:
لقد بدأوا يضربون الساق فعلًا.