الجزء الحادي والأربعون: الساقُ التي أرادوا كسرها

الفصل الثلاثمئة وستة وأربعون: حين فهموا أن المشي أخطر من الحلم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وستة وأربعون: حين فهموا أن المشي أخطر من الحلم

لم تكن السلطة تخاف الحلم كما تخاف المشي.

فالحلم، مهما كبر في صدور الناس، يبقى عند كثير من الحكام الفاسدين شيئًا يمكن السخرية منه، أو تأجيله، أو تركه يذبل في الزمن إذا لم يجد جسدًا يحمله.
أما إذا بدأ الحلم يمشي،
وصار له خبزٌ يصل،
وسوقٌ ينتظم،
وجامعٌ يتكلم،
وأحياءٌ تشعر أنها لم تعد نسيًا،
فإن الخوف يتبدل من خوفٍ على السمعة إلى خوفٍ على البقاء.

ولهذا، ما إن بدأت المدينة تقول في ليلها ونهارها:
“الدولة بدأت تمشي”
حتى فهم خصوم عبد الملك أن باب التشويه وحده لم يعد يكفي.

لم تعد الاتهامات الفضفاضة تكفي.
ولا الإشاعات عن التهور أو الطموح.
ولا محاولات خنق الخبز أو إهانة الجامع على نحوٍ متفرق.
فقد ظهر لهم شيءٌ أخطر بكثير:
أن الناس، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة،
بدأوا يعتادون صورةً أخرى للعيش.

ومن يعتاد العدل قليلًا،
يصعب عليه بعد ذلك أن يقبل الذل كما كان يقبله من قبل.
ومن يذق النظام مرة،
يكتشف كم كان الفساد يأكل عمره دون أن يشعر.
وهذا، في منطق السلطات المرتعشة، جريمة لا تُغتفر.

اجتمع بعض رجالهم في مجلسٍ ضيق،
وكان فيهم من لا يرى أبعد من العنف،
وفيهم من يعرف أن العنف إذا أُسيء توقيته صنع للخصم ما لا يصنعه له أصحابه.
وقال أحدهم:

— ما عاد يكفي أن نضرب الأطراف.
الرجل لم يعد هناك فقط.
صار في السوق،
وفي الجامع،
وفي الخبز،
وفي النساء.
إذا تركناه أشهرًا أخرى،
ربما لم تعد المدينة تتحدث عنه بوصفه القادم،
بل بوصفه القائم.

وقال آخر:
— إذن نضربه هو.
فردّ ثالث، وكان أهدأ:
— لا…
الرأس الآن مكشوف في الضوء،
وضربها قد يحوّلها إلى رايةٍ قبل أن نضمن النتيجة.
لكن للدولة — إذا بدأت تمشي — ساقًا تحملها.
اكسر الساق،
فتتعثر ولو بقي الرأس مرفوعًا.

سكتوا.

وكانت الجملة من النوع الذي إذا قيل في مثل هذه المجالس،
عرف الحاضرون أن المقصود ليس مجازًا فقط.

الساق هنا لم تكن رجلًا واحدًا فحسب.
بل كانت كل ما يجعل الدولة تسير في الواقع:
الشبكة،
والطرق،
والرجال الذين يحملون النظام من بيتٍ إلى سوق،
ومن سوق إلى حي،
ومن حي إلى جامع،
ومن جامع إلى رقعةٍ أولى ثم إلى قلب المدينة.

وهنا،
بدأت الأعين تتجه إلى الموضع الذي لا يلمع كثيرًا أمام العامة،
لكنه يحمل من ثقل البناء ما لا تحمله بعض الوجوه الظاهرة:

عبدالله.

لم يكن في الصورة كأخيه.
ولا في الخطاب.
ولا في القبول الشعبي الذي يلمسه كل من رأى عبد الملك.
لكنه كان في موضع آخر:
موضع الرجل الذي يعرف من أين تدخل الأخبار،
ومن أين تخرج الأخطاء،
ومن أين يمكن أن تتماسك المدينة أو تنشق من داخلها.

قال الرجل الهادئ:
— إذا أردتم أن تُضعفوا مشيهم،
فاضربوا من يعرف أين تضع القدم موضعها.
أما الوجه الظاهر، فدعه يرى التعثر أمامه.
أشد على الرجال أحيانًا أن يروا ما يحملهم يضطرب،
من أن يُصابوا هم أولًا.

وهكذا،
لم يعودوا فقط يريدون أن يضربوا مشروعًا،
بل أرادوا أن يضربوا العصب.