الجزء الأربعون: الدولةُ حين تبدأ تمشي

الفصل الثلاثمئة وأربعة وأربعون: عبد الله وصناعة العصب الخفي

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وأربعة وأربعون: عبد الله وصناعة العصب الخفي

إذا كان عبد الملك قد بدأ يمشي في المدينة بوجه الدولة،
ومحمد قد أخذ لسانها الشرعي والفقهي،
وصفية وبناتها قد دخلن بيوتها،
فإن عبد الله كان يصنع ما لا يراه الناس غالبًا:

العصب الخفي للدولة.

فقد بدأت المدينة بعد “نعم” ثم بعد تحرك الأبواب الكبرى،
تحتاج إلى ما هو أبعد من الرجال الشجعان والوجوه المؤيدة.

تحتاج إلى:
من يحمل الرسائل من غير أن يتكلم كثيرًا.
من يعرف من في السوق يصدق ومن يمثل.
من يحفظ أسماء النساء اللواتي يعتمد عليهن في البيوت ثم ينساهنّ لسان السلطة.
من يربط بين طريقٍ آمن للطحين،
وبيتٍ يكثر فيه الأيتام،
وعالمٍ يخشى عليه من الاستدعاء،
وشابٍّ قد يفسد تهوره أكثر مما ينفع صدقه.

وكان عبد الله في هذا كله سيدًا من نوعٍ لا يُصفَّق له.

صار له رجال في كل حي،
لكن لا على هيئة ميليشيا أو طغمةٍ تثير الفزع،
بل على هيئة عُقَد:
كل عقدة تعرف ما يجب أن تعرفه فقط،
ولا تتكلم بما لا ينبغي أن يخرج منها،
وتعرف إلى من ترفع،
ومتى تصمت.

قال له سعيد ذات ليلة:
— إن نجح عبد الملك في المدينة،
فسيقول الناس: لأنه شجاع وعادل ومحظوظ بمحبة الناس.
وإن ثبت السوق،
فسيقولون: لأن التجار تعبوا من الظلم.
وإن تكلم العلماء،
فسيقولون: لأن الحق واضح.
لكن قلة من الناس ستعرف أن من أعظم ما يصنع الدولة هو أن يكون لها عصب لا يُرى.
فاحذر أن يفسدك هذا الخفاء سلبًا أو إيجابًا.
لا تحتقر نفسك لأن الناس لا يرونك،
ولا تعلُ عليهم في قلبك لأنك ترى ما لا يرون.
خفض عبد الله بصره، وقال:
— أدعو الله أن لا يجعلني أقسو.
فقال سعيد:
— هذه أفضل بداية.

وكان عبد الله،
كلما ازداد عمله في الخفاء،
ازداد معرفةً بضعف الناس،
لكن زاد أيضًا معرفةً بقدرتهم على الخير إذا وُضعوا في مواضعهم.

وكان هذا ما يحمي قلبه من أن يتحول إلى رجلٍ يرى البشر عيوبًا متحركة فقط.