الجزء الأربعون: الدولةُ حين تبدأ تمشي

الفصل الثلاثمئة وثلاثة وأربعون: فاطمة بين بيتين

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وثلاثة وأربعون: فاطمة بين بيتين

في هذه الأثناء،
كانت فاطمة قد دخلت مرحلة جديدة تمامًا من شأنها.

فقد صار أمرها معروفًا على نحوٍ أوسع في الدوائر الرفيعة،
ولم يعد بين بيت صفية وسعيد والبيت السعودي إلا خطواتٌ منضبطة تحفظ المقامات والأوقات.

وكانت الفتاة،
رغم صغر سنها نسبيًا،
تحمل الأمر بحياءٍ ثقيل ووعيٍ يزداد عمقًا.

جلست معها صفية ليلة،
وقالت لها:

— يا ابنتي،
قد يأتيكِ قريبًا زمنٌ يراكِ فيه الناس على أنكِ بنت بيتين:
بيتٍ يخرج منه رجل يمشي إلى قلب البوسنة،
وبيتٍ يخرج منه أمير يحمل اسم الملك.
وأريدكِ أن تحفظي شيئًا واحدًا:
أنكِ لا تنتمين إلى هذين البيتين بالصورة فقط،
بل بما تحملينه من معنىٍ بينهما.
فإن ضعتِ في الصورة،
صرتِ زينة اسمين.
وإن ثبتِ في المعنى،
صرتِ جسر رحمةٍ وعقلٍ بين زمنين وموضعين.

أطرقت فاطمة،
ثم قالت بصوتٍ فيه خشوع:
— وأخاف أن يكون الحمل أكبر مني.
ابتسمت صفية ابتسامةً حزينة جميلة، وقالت:
— كل حملٍ عظيم أكبر من صاحبه أول الأمر.
لكن الله لا يطلب منكِ أن تكوني أكبر منه قبل أن تحمليه،
بل أن تكوني صادقةً معه وهو يكبر بك.
ثم أضافت:
— من الآن،
تعلمي أن تنظري إلى كل شيءٍ بعينين:
عينِ المرأة في بيتها،
وعينِ من تعرف أن بيتها قد يصير له أثرٌ على بلاد وقلوب.
فإذا فقدتِ الأولى،
قسوتِ.
وإذا فقدتِ الثانية،
صغرتِ عن موضعك.

وكانت هذه الجلسات تصنع في فاطمة شيئًا عجيبًا.
فلم تكن تنضج على صورة فتاة تُزف إلى بيت ملك،
بل على صورة امرأة تُربى لتدخل التاريخ من بابٍ أنثويٍّ رفيع لا يعرفه كثير من الرجال.