الفصل الثلاثمئة وواحد وأربعون: الجامع يسترد لسانه
أما الباب الثاني فكان الجامع.
فقد فهم عبد الملك ومحمد أن المدينة ما دامت قد قالت “لا” في المسجد ثم “نعم” في الخبز والناس،
فلا بد أن يعود جامعها موضعًا للطمأنينة والبيان معًا،
لا ساحةً يُرهب منها العلماء،
ولا منصةً يحاول المتحمسون أن يختصروا بها الحكم في كلمات نار.
ولهذا،
اجتمع محمد بعبدالرؤوف واثنين من كبار العلماء،
وقال لهم:
— الناس اليوم ينظرون إلى الجامع ليعرفوا:
هل ما جرى فيه كان لحظةً عظيمة وانقضت،
أم بداية عهدٍ يعود فيه المسجد إلى مكانه الصحيح؟
وأريد منكم أن تحفظوا أمرين معًا:
أن لا يعود الجامع صامتًا حتى يظن الناس أن العلم خاف بعد “نعم”،
وأن لا يتحول إلى لسان حماسة يسبق ما تحتمله المدينة.
فقال الشيخ عبدالرؤوف:
— وما الكلمة التي تحفظ هذا؟
قال محمد:
— أن تجعلوا المسجد موضع تربية المدينة على معنى العدل.
لا على شخص عبد الملك فقط.
تكلموا في حرمة أكل أموال الناس،
وفي حرمة إذلالهم بالخبز،
وفي أن الخوف إذا صار نظامًا فسد العمران،
وفي أن الحكام إذا عُدلوا رُدّوا إلى الحق، وإذا جاروا لم يُتركوا.
فإذا تربت المدينة على هذا،
لم تعد بيعتها رجلًا فقط،
بل بيعة معنى إن أخطأنا نحن خافت علينا منه.
وهذه كانت قفزةً كبرى في الفهم.
لأن المشاريع إذا ربطت الشرعية كلها بالأشخاص،
ضعفت حتى وهي تقوى.
أما إذا ربطتها بالعدل الذي يُسأل عنه الحاكم والمحكوم،
فإنها تبني جذورًا أطول من عمر رجل.
ومنذ ذلك الحين،
بدأ الجامع يتكلم بلغةٍ جديدة:
لغة لا تعظ الناس في السماء وتترك الأرض،
ولا تغرق في الأرض فتفقد السماء،
بل تربط بينهما.
وكان لهذا أثرٌ بالغ،
حتى قال بعض أهل المدينة:
— لقد عاد الجامع يفسر لنا ما نعيشه،
لا أن يطلب منا فقط أن نصبر عليه.
وهكذا،
لم يعد لسان المدينة الشرعي مرتعشًا،
بل بدأ يثبت مع الحكم الجديد من غير أن يذوب فيه.