الفصل الثلاثمئة وأربعون: السوق يتنفس لأول مرة
كان أول بابٍ أراد عبد الملك أن يجعل المدينة ترى فيه “نعم” وهي تتحول إلى شيءٍ ملموس هو السوق.
فالسوق في المدن ليس موضع بيعٍ وشراء فقط،
بل هو المكان الذي يختبر فيه الناس صدق الكلام على أرزاقهم.
قد يحتملون خطبة،
وقد يبكون في جامع،
وقد يتحمسون لموقف،
لكنهم إذا عادوا إلى الميزان فوجَدوه ما زال في يد الظالم،
قالوا في قلوبهم:
ما الذي تغيّر؟
ولهذا،
لم يدخل عبد الملك السوق هذه المرة بخطاب،
بل بقرار.
جمع وجهاء السوق والتجار المعروفين بالاستقامة،
ومعهم من يعرف الحساب والوقف واحتياج الأحياء،
وقال:
— من اليوم،
لا يُترك رغيف المدينة في يد رجلٍ واحد،
ولا في طريقٍ واحدة،
ولا في مزاج من يبتز الناس بالتصاريح.
سنفتح ثلاثة مسالك:
مسلك السوق الحر الشريف،
ومسلك الوقف عند الضرورة،
ومسلك الضبط الذي يمنع الاحتكار من غير أن يقتل التجارة.
ثم أمر بثلاثة أمورٍ على الفور:
أن تُنشأ قائمة واضحة بأسعارٍ منصفة تراعى فيها تكلفة التاجر وحق الفقير.
وأن يُعرف للمدينة أين تقف قوافل الطحين، وما الذي يدخل وما الذي يُمنع، حتى لا يبقى الخبر شائعة.
وأن يُفتح باب تظلّم سريع لكل من مُسّ في رزقه أو بضاعته ظلمًا باسم النظام.
قال أحد التجار الكبار، وكان ممن لم يسلموا أمرهم قبل ذلك بسهولة:
— إن فعلتم هذا،
فقد أعطيتم السوق ما لم يعطه السلطان منذ سنين:
أن يشعر أنه يُحكم بالعقل لا بالمزاج.
فقال عبد الملك:
— بل نعيد إليه حقه فقط.
فإن السوق إذا استقام،
أطعم المدينة،
وأراح البيوت،
وأغلق نصف أبواب الفتنة.
وفي الأيام التالية،
بدأ الناس يرون أثر هذا من غير حاجة إلى إعلان.
الطحين يصل،
وإن بصعوبةٍ أحيانًا، لكنه يصل على طريقٍ معلوم.
الأسعار لا تهبط إلى حد يخسر معه التاجر،
ولا ترتفع إلى حد يُذبح معه الفقير.
والأوراق التي كانت أداةً لإهانة الناس،
صار منها ما يُكشف،
ويُكتب،
ويُشهد عليه.
وقالت امرأة في حي فقير:
— لأول مرة لا أحتاج أن أبعث زوجي إلى السوق وهو يذهب كأنما يدخل على مزاج رجل لا على حق معلوم.
وقال شيخ السوق:
— الآن بدأ السوق يتنفس.
وكان هذا،
في ميزان المدن،
أقوى من كثير من الخطب.
لأن التنفس إذا عاد إلى السوق،
عاد إلى بيوتٍ كثيرة من غير أن تعرف كيف تشكر من أعاده.