الفصل الثلاثمئة وتسعة وثلاثون: مجلس المدينة الأول
رأى سعيد أن أول ما يجب أن يقوم هو مجلسٌ،
لا بمعناه الشكلي،
بل بمعناه الذي يجعل المدينة تفهم أن الحكم الجديد لا ينزل عليها من رجلٍ وحده،
وإن كان الرجل مركزه.
ولهذا،
دُعي إلى مجلسٍ أول في قلب المدينة:
العلماء،
ووجوه السوق،
ورجال الأحياء،
ومن يمثل الرقعة الأولى،
ومن يعرف معنى الوقف،
ومن له صلةٌ بليل المدينة وطرقها،
ومن تستطيع النساء أن يطمئن إلى أن أصواتهن تصل إليه ولو من وراء الستار.
لم يكن المجلس مجلس ترفٍ ولا مجلس عدد،
بل مجلس تركيب.
جلس عبد الملك في موضعه،
لكن سعيد هذه المرة لم يجلس إلى جواره كما يجلس الأب إلى الابن تحت الضوء،
بل جلس في طرفٍ معلوم الحضور، كمن يقول للمدينة:
لقد سلّمتُ،
لكنني لم أختفِ،
فمن يحتاج إلى الحكمة يجدها،
ومن يريد أن يرى من يحمل الوجه الجديد، يراه أمامه.
بدأ عبد الملك الكلام، وقال:
— أيها الناس،
لا أجمعكم اليوم لتبايعوا مرةً أخرى،
ولا لتعيدوا ما قلتموه أمس.
لقد قيلت “نعم”،
والمدينة لا تحتاج أن تكرر عهدها كل صباح لتثبت صدقه.
إنما جمعتكم لأمرٍ واحد:
أن نجعل من “نعم” عملًا موزونًا،
لا حماسةً تتناقص كلما تقدمت الأيام.
ثم رفع نظره إلى الوجوه، وأردف:
— من اليوم،
لن تُدار هذه المدينة بعصبية اللحظة.
ولا بمزاج رجلٍ واحد،
ولا بترك كل بابٍ لأهله من غير جامع.
بل سيكون لها نظامٌ يعرف:
من يحمل السوق،
ومن يحمل الجامع،
ومن يحمل الطرق،
ومن يحمل الأحياء،
ومن يحمل النساء في بيوتهن لا في الشعار فقط.
ثم دعا محمد ليتكلم.
قال محمد:
— أول ما نضعه اليوم هو أن المدينة لا يجوز أن تُترك بين خطابين:
خطابٍ يخيف الناس من كل حركةٍ باسم منع الفتنة،
وخطابٍ يحب إحراق كل شيءٍ باسم الكرامة.
ونحن نريد طريقًا ثالثًا:
أن يُحفظ العدل،
ويُمنع الظلم،
وتُصان أرزاق الناس،
وتُحمى حرمات المساجد والبيوت،
من غير أن نصنع من المدينة حطبًا لاندفاعٍ لا يزن العواقب.
ثم تكلم شيخ من أهل السوق:
— ونحن نريد من جهتنا أمرًا واضحًا.
أن لا يبقى التاجر بين فكيْن:
إما أن يُذلّ بالطاعة،
وإما أن يُتَّهم إذا طلب استقرارًا يحفظ رزقه ورزق الناس.
فإن كنتم ستدخلون السوق،
فادخلوه بميزانٍ يعرف الربح الشريف من الاحتكار،
ويعرف الكرامة من الفوضى.
فأجابه عبد الملك:
— وهذا ما سيكون.
ولن يكون السوق بعد اليوم بابًا لمدح الحاكم ولا ذمّه،
بل بابًا لحفظ الناس من أن يبيعهم الظالم أو يشتري صمتهم.
ثم تكلم شيخ عبدالرؤوف:
— والجامع؟
قال عبد الملك:
— الجامع لا يكون لسان حرب،
ولا يكون شاهد زور.
يكون موضع هدى،
فإذا مُسّ الناس في خبزهم وكرامتهم وحقهم،
لم يسكت عن بيان الحق،
وإذا أحب المتحمسون أن يجعلوا المسجد منبرًا يستدرجون به الدم قبل أوانه،
لم نتركهم.
وهنا،
أحس الحاضرون أن المدينة بدأت تسمع للمرة الأولى ما يمكن تسميته بنية الحكم،
لا مجرد شعاراته.
وفي آخر المجلس،
قال سعيد جملةً لخصت الأمر كله:
— اليوم،
لا نضع يدًا على المدينة.
اليوم،
نضع قلبًا لها،
حتى لا تبقى الأعضاء متفرقة كلما اشتد عليها الألم.
وكانت العبارة كأنها حجر أساسٍ وُضع في موضعٍ لا يُرى،
لكن كل من سيأتي بعده سيبني عليه.