الفصل الثلاثمئة وثمانية وثلاثون: اليوم الأول بعد “نعم”
لم يكن اليوم الذي تلا قولَ المدينة “نعم” يومَ راحة،
كما يتخيله من لا يعرفون كيف تبدأ الدول.
بل كان يومًا ثقيلًا،
من ذلك النوع الذي يشعر فيه الرجل أن الكلمة التي قيلت أمس لم تكن ذروةً،
بل بابًا انفتحت منه آلاف الأسئلة دفعةً واحدة.
فـ”نعم” المدينة لم تكن هتافًا عابرًا ينام الناس بعده مطمئنين لأنهم أدّوا ما عليهم،
بل كانت عهدًا دخل في الخبز،
وفي السوق،
وفي الجامع،
وفي حارات الفقراء،
وفي بيوت النساء،
وفي عيون التجار،
وفي حسابات الخصوم،
وفي قلب عبد الملك نفسه.
ولهذا،
ما إن طلع الصباح،
حتى كان البيت كله يعمل على صورةٍ جديدة.
لم يعد السؤال:
كيف نُقنع الناس؟
بل صار:
كيف نمنع “نعم” من أن تبقى كلمةً معلقة في الهواء؟
كان سعيد أول من فهم أن أخطر ما بعد “نعم” أن تبقى المدينة ثلاثة أيامٍ تحت حرارة العاطفة،
ثم تستيقظ في اليوم الرابع لتسأل:
وأين التغيير الذي من أجله دخلنا هذا الثمن؟
ولهذا جمع عبد الملك، وعبد الله، ومحمد، ثم دخلت صفية بعد قليل،
وقال:
— من اليوم،
لا نملك رفاهية الرمز فقط.
المدينة قالت “نعم”،
والقلب إذا نطق لا يجوز أن يُترك بعد ذلك بلا نبضٍ يُسمع في الأرض.
وأريد منكم أن تعرفوا شيئًا:
الناس لا يطلبون من الدولة في يومها الأول المعجزات،
لكنهم يطلبون الاتجاه.
أن يروا أين تمضي،
وما الذي تمسكه أولًا،
وأي الأبواب تُفتح،
وأي الظلمات تبدأ في الانحسار.
ثم التفت إلى عبد الملك وقال:
— أول أيام الحكم الحقيقي لا تُقاس بكثرة ما تفعل،
بل بصحة ما تبدأ به.
إن بدأتَ بالصورة،
أكلتك الصورة.
وإن بدأتَ بالمقصد،
بنت الصورة نفسها بعد ذلك من غير أن تطلبها.
قال عبد الملك:
— وما أول ما أبدأ به؟
أجاب سعيد بلا تردد:
— أن تُشعر المدينة أن “نعم” دخلت النظام.
سكتوا جميعًا،
لأن العبارة وحدها كانت كأنها منهاج مرحلة.
وأكمل سعيد:
— السوق يجب أن يرى أن “نعم” لم تتركه وحده بعد أن قالها.
والجامع يجب أن يشعر أن حرمته لم تعد متروكة للتفاوض كل يوم.
والأحياء الفقيرة يجب أن تفهم أن الخبز لن يعود باب ابتزاز.
والنساء يجب أن يرين أن الليالي لن تُترك لقلقٍ لا يجد من يحمله.
والعلماء يجب أن يعلموا أن لسانهم لن يُشترى بالصمت.
فإذا بدأت هذه الأبواب كلها تتحرك،
فهمت المدينة أن قولها “نعم” لم يكن اندفاعًا،
بل بداية عيشٍ جديد.
وهنا،
نظرت صفية إلى زوجها ثم إلى ابنها، وقالت:
— وأنا أضيف شيئًا واحدًا:
لا تجعلوا أول أيام الحكم تُشبه دخول الضيوف إلى بيتٍ جديد.
لا أريد ترتيبًا خارجيًا كثيرًا،
ولا حركةً تلفت العيون ثم تترك القلوب كما هي.
أريد الناس إذا عادوا إلى بيوتهم الليلة أن يقولوا:
لقد بدأ شيء يمشي.
لا:
لقد رأينا منظرًا جميلًا.
وكان هذا هو الفارق الذي سينجو به البيت كله من مرضٍ قاتل يصيب كثيرًا من البدايات:
مرض الاحتفال بالدولة قبل بنائها.