الفصل الثلاثمئة وستة وثلاثون: ماذا يعني أن يقول القلب نعم؟
عاد عبد الملك إلى البيت،
وكان سعيد ينتظره،
لا بوجه المنتصر،
بل بوجه الرجل الذي يعرف أن ما وقع اليوم أكبر من أن يُستقبل بخفة.
قال:
— قالوها؟
أجاب عبد الملك:
— نعم.
وساد الصمت لحظةً طويلة.
ثم قال سعيد:
— وهل عرفت اليوم ما معنى أن يقول القلب “نعم”؟
قال:
— نعم…
وهو أشد مما ظننته.
— كيف؟
— لأنني يوم سمعته،
لم أشعر أنني رُفعت،
بل شعرت أن كل ما في المدينة دخل في عنقي دفعةً واحدة.
ابتسم سعيد ابتسامةً حزينة، وقال:
— وهذه هي أول رحمةٍ في الملك إذا صدق صاحبه.
أن يشعر عند القبول بالثقل أكثر من الشعور بالارتفاع.
ثم أضاف:
— من اليوم،
لم تعد المدينة فقط معكم.
لقد صارت عليكم أيضًا.
كل جائعٍ فيها سيُسأل قلبك عنه،
وكل عالمٍ يُراد له الصمت،
وكل تاجرٍ يخاف أن يهان،
وكل امرأةٍ ترتجف على أولادها،
وكل حيٍّ ينتظر ليله…
كل هؤلاء صاروا يضعون في “نعم” ما لا يطيقه إلا من عرف معنى الأمانة.
ودخلت صفية بعد ذلك،
ورأت في وجه ابنها ما يكفي لتعرف أن المدينة نطقت.
لم تسأله أولًا.
بل اقتربت منه،
وضعت يدها على كتفه كما كانت تفعل في الليالي العظيمة،
وقالت:
— ماذا فعلت بك “نعم”؟
قال:
— جعلتني أخاف أكثر من كل ما مضى.
فقالت:
— الحمد لله.
ثم أضافت:
— لأن المدينة لو قالتها فلم تخف،
لخشيتُ عليك أكثر مما أخاف عليك من خصومك.
وجلست بعد ذلك مع البنات،
وقالت لهن:
— اليوم لم يعد عبد الملك فقط رجاءَ مدينةٍ من بعيد.
اليوم، صار عهدها المعلن.
وهذا يعني أن كل واحدة منكنّ يجب أن تفهم:
أن الاسم الذي يخرج من البيت لا يخرج وحده،
بل يجر معه أخلاق البيت كلها إلى الناس.
وكانت هذه الجملة خاصةً لفاطمة أكثر مما لغيرها،
لأنها تعرف أن بابها إلى البيت السعودي يقترب،
وأن “نعم” المدينة ستزيد من ثقل اسمها لا من زينته فقط.