الفصل الثلاثمئة وخمسة وثلاثون: عبد الملك يسمع “نعم” كاملة
وقف عبد الملك أمام المدينة،
وشعر في تلك اللحظة بشيءٍ لم يشعر به يوم الإعلان الكبير نفسه.
ففي الإعلان الأول،
كانت البيعة تخرج من الساحة والوجوه والقرى.
أما الآن،
فإن “نعم” التي يسمعها خرجت من قلب البلاد،
ومن موضعٍ اجتمع فيه الخبز والدين والكرامة في وقتٍ واحد.
ولم يرد أن يفسد اللحظة بخطابٍ طويل.
لأن بعض اللحظات إذا كثر فيها الكلام،
انكسرت هيبتها.
رفع يده قليلًا حتى سكنت الأصوات،
ثم قال:
— أيها الناس…
إن قلتم “نعم” اليوم لأنكم غضبتم،
فسيبرد غضبكم يومًا.
وإن قلتموها لأنكم جُعتم،
فقد يشبع بعضكم ويضعف.
وإن قلتموها لأنكم رأيتموني فقط،
فربما أخطأتُ أنا يومًا فيسقط في قلوبكم ما بُني على شخصي.
لكن إن قلتموها لأنكم عرفتم أن هذه المدينة لا يجوز لها بعد اليوم أن تُحكم بالخبز المخنوق والجامع المسكوت والسوق المهان،
فإني أقبلها منكم عهدًا،
لا صيحة.
ثم نظر إلى القافلة،
وإلى الشيخ،
وإلى النساء في الأطراف،
وقال:
— وأنا أشهد الله عليكم وعليّ،
أن “نعم” هذه لا تجعلني فوقكم،
بل تجعلني أثقل حملًا منكم جميعًا.
فإن رضيتم أن تكونوا معي على ثمنها،
فأنا لكم على ما عاهدتكم عليه من قبل:
عدلٌ لا يبيعكم في الصورة،
ونظامٌ لا يترككم للفوضى،
وخبزٌ لا يكون أداة إذلال،
وجامعٌ لا يُشترى سكوته،
وسوقٌ لا يُهان،
وبيوتٌ لا تُترك وحدها في الليل.
ثم سكت،
وأضاف بصوتٍ أخفض لكنه أثقل:
— ومن اليوم،
لم تعد المدينة خارج ما نحمله،
بل صارت في قلبه.
فلا تعودوا بعد هذا إلى التردد الذي يعتذر للخوف.
ولا تنطلقوا إلى حماسةٍ تجعلنا نخسر ما قلتموه اليوم.
قولوا “نعم”،
ثم عيشوها.
كانت الكلمات قليلة،
لكنها نزلت على المدينة كما ينزل الحكم لا الخطبة.
وهنا،
لم تعد “نعم” مجرد لفظٍ يقال.
بل صارت عهد المدينة العلني.