الجزء الأربعون: حين ينطق القلبُ كلُّه

الفصل الثلاثمئة وثلاثة وثلاثون: الجامع يختار أن لا يصمت

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وثلاثة وثلاثون: الجامع يختار أن لا يصمت

في الجامع،
لم يكن الأمر أقل خطورة.

كانوا قد أرادوا أن يطفئوا الصوت بالتلويح،
لا بالمنع الكامل.
لأنهم يعلمون أن المنع التام أحيانًا يفضحهم أكثر مما يريحهم.

لكن العلماء الذين رباهم محمد على لسانٍ ثالث،
لم يعودوا قادرين على التواري وراء العموميات.

اجتمع الشيخ عبدالرؤوف واثنان أو ثلاثة من أهل العلم بعد صلاةٍ أو قبل مجلس،
وقال أحدهم:
— إذا سكتنا اليوم،
قالت المدينة:
لقد خاف الجامع على نفسه وتركنا.
وقال آخر:
— وإذا اشتددنا فوق الطاقة،
فربما جررنا الناس إلى موضع لم يُحسنوا حمله.

ثم جاءهم محمد.

لم يدخل عليهم بصفته الموجه المتعال،
بل بصفته الرجل الذي يعرف أن هذه الساعة لا تحتمل إلا صدقًا متبادلًا.

قال:
— لا أريد منكم خطبة نار.
ولا أريد صمتًا رماديًا.
أريد منكم أن تقولوا للمدينة ما يجب أن تسمعه من الجامع لا من السوق فقط:
أن من يحبس الخبز ليُحكم الناس بالخوف،
قد دخل بابًا من الظلم لا يُسكت عليه الدين.
وأن من يمنع العالم أن يقول هذا،
لا يحفظ النظام،
بل يحفظ القهر.
ثم أضاف:
— لا تسمّوا عبد الملك إن رأيتم أن التسمية تربك الساعة.
سمّوا الحق.
فالمدينة اليوم لا تحتاج أن تسمع اسمه أكثر من حاجتها أن تسمع حكم الله في ما وقع.

وكان هذا من أدق ما يمكن أن يقال.

فخرج الشيخ عبدالرؤوف في مجلسه التالي بلسانٍ أوضح من ذي قبل:

— إذا صار الرغيف وسيلةً لإخضاع الناس،
فسكوتنا عنه خيانة لا ورع.
وإذا صار الجامع يُراد له أن يكون موضع ذكرٍ لا موضع هدى،
فقد أُريد من الدين أن يكون شاهد زور على ظلم الناس.
ثم قال الجملة التي خرجت بعدها المدينة من طور التوقع إلى طور الاستعداد:
— ومن حقّ المدينة على علمائها أن يقفوا معها إذا مُسّ خبزها وحرمة جامعها معًا.

لم يذكر اسمًا،
لكن الناس فهموا.

والأهم من ذلك:
أنهم شعروا للمرة الأولى أن الجامع،
والسوق،
والبيوت،
لا تتكلم بلغات متباعدة،
بل بلغةٍ واحدة لها أوجه متعددة.

وهنا،
لم يعد بعد ذلك للمدينة مخرجٌ مريح إلى الوراء.