الجزء الأربعون: حين ينطق القلبُ كلُّه

الفصل الثلاثمئة واثنان وثلاثون: السوق يرفض أن يبيع المدينة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة واثنان وثلاثون: السوق يرفض أن يبيع المدينة

في السوق،
كان المشهد أقرب إلى النار تحت الرماد.

الناس يأتون ويسألون:
أين الطحين؟
لماذا تأخر؟
هل سترتفع الأسعار؟
هل سنعود إلى باب الذلّ كل صباح؟

وكان التجار ينظرون إلى بعضهم بعضًا.
هذه هي اللحظة التي إما أن يركع فيها السوق — وإن أبقى أبوابه مفتوحة —
أو ينتصب،
ولو من غير ضجيج.

اجتمع وجهاء السوق في مجلسٍ خاطف،
وحضر حسان،
وشيخ السوق،
ورجلان كانا إلى وقت قريب مترددين بين الحذر والولاء،
ثم وصل إليهم عبد الله.

لم يطل الكلام.

قال شيخ السوق:
— هذه المرة لا يريدون فقط أن ينهبوا أو يذلوا رجلًا.
يريدون أن يقولوا للمدينة:
رغيفكم في يدنا،
فاخفضوا رؤوسكم.
وقال تاجر آخر:
— إن سكتنا اليوم،
فلن نعود بعده أهل سوق،
بل عمّال إذلال.

نظروا إلى عبد الله،
فقال بهدوئه الصارم:
— لا أريد منكم إغلاقًا.
فالإغلاق يُتعب الناس أولًا.
ولا أريد منكم هتافًا.
فالهتاف يحبونه ليقولوا:
السوق انفلت.
أريد شيئًا أشقّ:
أن تفتحوا أبوابكم،
وتُخرجوا للناس الحقيقة،
وترفضوا أن تمرّوا الظلم من أيديكم على أنه قَدَر.

ثم قال:
— اختاروا منكم خمسة.
خمسة لا يكثرون الكلام،
ولا يخفون الحقيقة،
ولا يبيعون المدينة إذا خافوا.
اكتبوا أسماءكم على بيانٍ واضح:
القافلة أُوقفت ظلمًا،
والسوق لا يحتكر،
ولا يرضى أن يُبتز الناس باسمه،
والخبز حقٌّ لا أداة ضغط.

كانت الكلمات بسيطة،
لكنها من النوع الذي إذا خرج من السوق،
لا يخرج بضاعةً،
بل يخرج موقفًا.

وفعلوا.

علّقت أوراق على بعض الأبواب،
وتكلم الرجال في الطرقات بلسان واحد تقريبًا:
— القافلة أُوقفت،
والسوق لا يرضى.
— إن ارتفع السعر،
فاعرفوا من حبس الطريق.
— وإن جاع بيت،
فلا تتهموا من رفض أن يبيع ضميره.

وفي المدينة،
حين يتوحد السوق على بيانٍ كهذا،
فإنه لا يعلن فقط امتعاضه،
بل يعلن أنه لم يعد طرفًا محايدًا في قلب الأزمة.

قال رجل من العامة وهو يقرأ الورقة:
— إذن…
حتى السوق لم يعد يقبل.
ورد عليه آخر:
— ومن بقي بعد ذلك ليقول: انتظروا؟

هنا،
بدأت المدينة تسمع نفسها.