الفصل الثلاثمئة وواحد وثلاثون: صفية تمنع البيوت من أن تختار الخوف
لم تخرج صفية إلى الساحات في تلك الساعة،
بل خرجت إلى ما هو أخطر منها:
إلى البيوت قبل أن تفسدها التوقعات.
جمعت مريم وخديجة وعائشة،
وأرسلت من تثق بهن إلى جهات مختلفة من المدينة،
لكن قبل أن يخرجن قالت لهن:
— اليوم ليس يوم الكلام الكثير.
اليوم إذا دخلتِ على بيتٍ خائف،
فإياك أن تزيديه خوفًا باسم الصدق.
الصدق أن تقولي له:
نعم، يضيّقون.
لكن ليس الصدق أن تقولي:
انتهى الأمر،
أو سيجوع الناس،
أو سيُغلق الجامع،
أو لا أحد يعرف ماذا يفعل.
فهذا ليس صدقًا،
بل فوضى على هيئة صدق.
ثم التفتت إلى مريم:
— اذهبي إلى البيوت الرفيعة أولًا.
أريدهن أن يفهمن أن المدينة لا تُحفظ اليوم بالصمت المهذب.
لكنها كذلك لا تُحفظ بانفعالٍ يجرّ عليها ما لا تحتمل.
قولي لهن:
الساعة ساعة وزن،
لا ساعة ارتباك.
وقالت لخديجة:
— وأنتِ إلى البيوت التي تحتاج حضورًا يربطها بنفسه.
في بعض البيوت،
تكفي المرأة إذا رأت في وجهك سكينةً لا تصنعينها،
فتتراجع عن قرار كانت ستدفع به رجلها إلى الجبن أو إلى التهور.
وقالت لعائشة:
— وأنتِ اذهبي إلى الأحياء التي يسبق فيها اللسان العقل.
خفي عنهم ثقلَ وجهك،
وأظهري لهم أن الخبز لن يُترك،
وأن الرجال ليسوا غائبين،
لكن لا تسمحي أن يتحول الهلع إلى صراخٍ في الطرق.
ثم خرجت هي بنفسها إلى بيتٍ من بيوت المدينة التي إذا اضطربت نساؤه،
اضطربت معها بيوتٌ كثيرة.
دخلت على امرأة ذات عقلٍ ومكانة،
كانت خائفة على أولادها وعلى السوق معًا،
وقالت لها:
— اليوم،
لا أريد منكِ أن تحبي عبد الملك،
ولا أن تكرهي خصومه.
أريد منكِ فقط أن تسألي نفسكِ:
إذا قُبل أن يُحبس الخبز ليسكت الناس،
وأن يُحبس الجامع ليسكت العلماء،
فأيُّ مدينة تبقى بعد ذلك؟
نظرت المرأة إليها طويلًا،
وكان في السؤال من الصدق ما لا يُجاب عنه بسهولة.
فقالت:
— تبقى مدينة تأكل وتسكت…
لكنها لا تعود مدينةً.
أومأت صفية، وقالت:
— وهذا هو الذي نريده أن تراه النساء قبل الرجال.
وفي تلك الساعات،
كانت النساء في بيوت المدينة يقتربن من كلمةٍ لم تجرؤ بعض المجالس بعد على نطقها:
أن المسألة لم تعد مسألة ميلٍ لعبد الملك أو حسن ظنٍّ به،
بل مسألة:
هل نرضى أن نعيش في مدينة يُؤخذ خبزها ليُؤخذ رأيها؟
وحين تصل النساء إلى هذا الموضع،
فإن البيوت تكون قد قطعت نصف الطريق إلى القرار.