الفصل الثلاثمئة وخمسة وعشرون: محمد يخرج بالعلم من الرمادي
في ظل هذا كله،
لم يعد ممكنًا للعالم أن يبقى في المنطقة الرمادية.
كان محمد يعرف أن كثيرًا من العلماء لا يريدون أن يُزجّ بهم في صراعٍ يختلط فيه الحق بالهوى،
وهذا خوف مفهوم.
لكنه يعرف أيضًا أن المدينة إذا تُركت بلا لسانٍ شرعي واضح،
فسيتكلم باسم الدين إما الجبناء،
وإما المتهورون.
ولهذا،
جمع العلماء الذين اقتربوا من ميزانه أكثر،
وقال لهم:
— لسنا في لحظة سؤال:
هل الظلم واقع؟
فهذا قد بان.
ولا في لحظة سؤال:
هل الفوضى خطر؟
فهذا نعرفه.
نحن الآن في لحظة سؤالٍ واحد:
كيف نقول للمدينة إن طريق العدل لا يعني حرقها،
وإن الصبر على الذل لم يعد صبرًا محمودًا إذا صار آلةً لتثبيت الظلم؟
ثم صاغوا — بعد نقاشٍ طويل —
لسانًا للمرحلة أكثر حسمًا من قبل،
وأهدأ من الحماسة التي يحبها الشباب.
قال أحد الشيوخ في درسٍ بعد ذلك:
— من أعظم الخيانة أن يُستخدم الدين لتسكين الناس على ظلمٍ دائم،
كما أن من أعظم الفتنة أن يُستخدم الدين لتزيين تهورٍ يأكل الناس قبل أن يأكل الظالم.
والحق بينهما:
أن يُطلب العدل بعقل،
ويُمنع الظلم بثبات،
ويُحفظ المجتمع من أن يتشقق في الطريق إلى إصلاحه.
وكان هذا الخطاب،
الذي خرج من العلماء لا من عبد الملك،
حاسمًا.
لأنه أعطى المدينة مرآةً ترى فيها نفسها بوضوح:
ليست بين طاعة السلطان أو الفوضى،
بل بين استمرار القهر،
وبين عهدٍ يحاول أن يحمل العدل من غير أن يفسد الناس.
وقال شيخٌ كبير بعد مجلس خاص:
— الآن فقط،
بدأت المدينة تملك لغتها.
فلم تعد تتكلم لغة الخوف التي يفرضونها،
ولا لغة الصراخ التي يستدرجون إليها،
بل لغةً ثالثة.
وهذه اللغة هي التي ستجعلها تقول “نعم” يوم تقولها،
لا “نعم” مذعورة،
ولا “نعم” مندفعة،
بل “نعم” واعية.
وكان محمد يشعر بثقل هذه المرحلة أكثر من فرحه بها.
لأن العلم إذا خرج من الكتب إلى توجيه المدن،
صار خطره على قلب صاحبه أعظم.
ولهذا،
زاد تواضعه،
وزاد سهره،
وزادت خشيته أن يُعجب بما فتح الله له من موضع.