الفصل الثلاثمئة وأربعة وعشرون: السوق بين الركوع والانتصاب
أما السوق،
فكان في قلب المحنة.
التجار الصغار اختنقوا أولًا.
والتجار الكبار لم يكن يضيرهم الغلاء وحده بقدر ما يضيرهم أن يصير السوق تحت رحمة الأوامر اليومية والمهانة المقصودة.
والناس في الوسط ينظرون:
هل سيقبل السوق؟
فإن قبل،
خنق المدينة كلها.
وإن وقف،
فتح بابًا لا يمكن بعده للمدينة أن تبقى متفرجة.
دخل عبد الله إلى السوق،
لا ليخطب،
بل ليقرأ النبض.
جلس مع حسان،
ومع وجهين من وجوه التجار،
ومع شيخ السوق الجريح الذي عاد إلى دكانه لكنه لم يعد إلى سكوته القديم.
قال شيخ السوق:
— الناس يظنون أننا لا نتحرك إلا إذا مُست أرزاقنا،
لكن هذه المرة الأمر أعمق.
إن قبلنا هذا،
فلم نعد نبيع فقط،
بل صرنا وسطاء في إذلال المدينة.
قال حسان:
— لكن السؤال:
كيف نقف؟
أبالإغلاق؟
بالامتناع؟
بالبيان؟
بالاجتماع؟
إذا أخطأنا الطريق،
قالوا: أرأيتم؟
إنهم يفسدون السوق كما خفنا.
وهنا ظهر عقل عبد الله.
قال:
— لا أريد إغلاقًا يحول الناس عليكم.
ولا صياحًا يشبعهم حجة.
أريد شيئًا أدقّ:
أن تقفوا على هيئة السوق الذي امتنع عن بيع نفسه،
لا السوق الذي امتنع عن بيع الناس.
نظروا إليه،
ففهموا بعض ما يقصد.
ثم شرح:
— افتحوا الدكاكين.
لكن لا تسيروا في تسعيرهم الظالم كأنه قُدَر لا يُراجع.
وأخرجوا من بينكم لسانًا واحدًا،
لا عشرات الألسنة.
وقولوا للناس:
نحن لا نحتكر،
ولا نرضى أن نُجعل عصًا عليكم.
ثم ضعوا بيانًا واضحًا:
ما السعر الذي يمنع الظلم عن التاجر،
ولا يأكل الفقير،
وما الذي فرضوه عليكم.
فإذا رأى الناس البينة،
لم يعودوا يرونكم جزءًا من القهر.
وكان هذا ذكاءً بالغًا.
لأن السوق لا يستطيع دائمًا أن يصير ثائرًا صريحًا،
لكن يستطيع أن يرفض أن يكون ذراعًا للباطل.
وفي اليوم التالي،
خرج من السوق ما يشبه الموقف الموحد الأول:
الدكاكين مفتوحة،
لكن على الأبواب أوراق أو كلمات أو شهادات معلنة:
هذا هو السعر العادل،
وهذا ما فُرض علينا.
ونحن لا نغلق أبوابنا في وجوهكم،
لكننا لا نبيع ذمتنا.
وكان لهذا أثر عجيب.
الناس رأوا الحقيقة مكتوبة.
والسلطة رأت أن السوق لم ينفجر،
لكنه لم يركع.
والمدينة كلها فهمت أن التجار دخلوا طورًا جديدًا:
لم يعودوا فقط يحسبون الخسارة والربح،
بل صاروا يحسبون معنى الكرامة.
وهذه من اللحظات التي تُغيِّر تاريخ المدن.