الفصل الثلاثمئة وواحد وعشرون: ما بين “لا” و”نعم” مسافةٌ من النار
لم يكن قولُ المدينة “لا” عند باب الجامع هو نهاية الامتحان،
بل كان بدايته الحقيقية.
فـ”لا” تخرج أحيانًا من الكرامة المجروحة،
ومن الغضب على مشهدٍ لا يليق،
ومن الروح إذا أفاقت لحظةً على ما يمسّ مقدساتها ومعانيها الكبرى.
أما “نعم” فهي شيءٌ آخر.
إنها لا تُقال فقط لأن الظلم قبيح،
بل لأنها تعني:
لقد اخترنا البديل،
وعرفنا ثمن اختياره،
ورضينا أن ندخل معه في الطريق.
ولهذا، ظلّت المدينة بعد حادثة الجامع كأنها تمشي على حافة كلمةٍ لم تُنطق بعد.
في الأسواق،
كان الناس يذكرون مشهد الشيخ عبدالرؤوف،
ويد عبد الملك التي فصلت بينه وبين الإهانة،
وصوت الرجل الأول الذي صاح: “لا”،
لكنهم، بعد أن يهدأ الكلام،
كانوا يعودون إلى السؤال الصامت:
وإذا جاءت الخطوة التالية؟
في البيوت،
قالت بعض النساء لرجالهن:
— لقد فعلتم ما يليق بجامعكم يومها،
لكن المدينة لا تعيش على المواقف وحدها.
هل أنتم مستعدون لما بعدها؟
وفي بيوتٍ أخرى،
قال رجال لنسائهم:
— نخاف أن تكون “نعم” أغلى مما تظنون.
فتجيب بعض الزوجات:
— ونخاف نحن أيضًا أن يكون السكوت بعدها أذلّ مما تظنون.
وكانت هذه الحوارات الصغيرة،
التي لا يسمعها المؤرخون غالبًا،
أخطر من كثير من الخطب.
لأن المدن لا تختار في الساحات وحدها،
بل تختار في المواضع التي يجلس فيها رجلٌ وامرأةٌ آخر الليل،
أو أمٌّ مع ولدها،
أو عالمٌ مع نفسه بعد أن ينفض المجلس.
أما سعيد،
فكان يرى كل ذلك ويتعمد ألا يستعجل.
قال لعبد الملك:
— لا أريد “نعم” تخرج من الحرج.
فإذا شعرت المدينة أنها يجب أن تقولها لأننا وقفنا في الجامع،
ربما قالتها حياءً ثم تراجعت عند الثمن.
أريدها أن تقولها لأنها لم تعد ترى لنفسها طريقًا شريفًا غير هذا الطريق.
قال عبد الملك:
— وكيف يبلغ الناس هذه الدرجة؟
قال:
— إذا رأوا أن القائمين عليهم لا يتركون لهم إلا أحد أمرين:
ذلًّا منظمًا،
أو عهدًا له ثمنٌ نعم،
لكنه يحفظ وجوههم.
والناس قد يحتملون الألم،
لكنهم إذا عرفوا أن الألم يحفظ كرامتهم،
صارت طاقتهم عليه أعجب مما يظنه الخائفون.
وكان عبد الله، في تلك الأيام،
يدخل الأحياء كمن يقرأ كتابًا يوشك أن ينطق.
يعود من حيٍّ فيقول:
— هنا الناس أقرب إلى “نعم”،
لكنهم يريدون أن يعرفوا هل السوق سيقف معهم.
ومن حيٍّ آخر:
— هنا النساء سبقن الرجال إلى القبول،
لكن الرجال يخافون أن يُكتبوا أول الأسماء إذا اشتدت الضربة.
ومن مجلس علماء:
— بعضهم لم يعد يسأل: هل؟
بل يسأل:
إذا قلناها،
فمن يثبت معنا ساعة الرد؟
وكان محمد يسمع هذا،
ويعرف أن المدينة لم تعد في طور الاقتناع النظري،
بل دخلت في طور التكليف.
ولهذا قال لسعيد:
— أظن أن المدينة لم تعد تحتاج إلى مزيد من البيان،
بل إلى محنةٍ تكشف لها نفسها.
نظر إليه سعيد طويلًا،
ثم قال:
— نعم.
وغالبًا، لن نضطر نحن إلى اختراعها.
السلطة ستصنعها بيدها.
ولم يطل انتظارهم.