الجزء الثامن والثلاثون: الاختيارُ الكبير

الفصل الثلاثمئة وتسعة عشر: أحمد يسمع اختيار المدينة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وتسعة عشر: أحمد يسمع اختيار المدينة

في مكة،
وصل إلى أحمد خبر الجامع.

وحين علم أن المدينة قالت “لا” لأول مرة بهذا الوضوح،
وأن عبد الملك ردّ الإهانة من غير أن يشعل النار،
وقف طويلًا بعد صلاة العشاء أو في جوف الليل،
وشعر أن ما يجري في البوسنة لم يعد فقط مشروعًا لأخيه وأبيه وأمه،
بل صار يدخل في سجلّ الأمة على نحوٍ لا يملك هو أن يكون بعيدًا عنه في روحه مهما كان بعيدًا بجسده.

قال لشيخه:
— لقد قالت المدينة “لا”.
نظر الشيخ إليه، وقال:
— وهذه من أخطر الكلمات إذا خرجت من مدينة.
ثم أضاف:
— لأن “لا” في القرى قد تكون شجاعة،
أما “لا” في المدن،
فهي انتقال ميزان.
ثم سكت، وأردف:
— لكن احذروا أن تفرحوا بها كأنها نهاية الأمر.
فإن أعنف ما يفعله الخصوم بعد “لا” الأولى،
أن يضغطوا الناس ليحنّوا إلى أيام ما قبلها،
ولو كانت مذلة.
خفض أحمد رأسه، وقال:
— وهل من شيءٍ يمكن أن أفعله من هنا؟
قال الشيخ:
— نعم.
اثبت أنت.
فإن البيوت الكبيرة إذا فُتح لها في الأرض باب،
واختلّ لها باب السماء،
فسدت أكثر مما تنفع.
ثم أضاف:
— وصلِّ للناس هنا صلاة من يعرف أن خلف صوته مدينةً تتعلم كيف تقول “لا”.
وهذا إن صدقت فيه،
كان من أعظم ما تعينهم به.

وهكذا،
صار أحمد يشعر أن كل ركعةٍ وكل موضعٍ يقف فيه بالحرم،
لم يعد عبادةً تخص قلبه وحده،
بل صارت سندًا خفيًا لمدينةٍ بدأت تختار في البوسنة.