الجزء الثامن والثلاثون: الاختيارُ الكبير

الفصل الثلاثمئة وخمسة عشر: المسجد الذي أرادوه ساحة خوف

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وخمسة عشر: المسجد الذي أرادوه ساحة خوف

لم يكن الجامع مجرد مكان صلاة.

كان في المدينة قلبًا آخر تحت قلبها.
فيه يجتمع العلماء،
ومن حوله تدور الأسواق،
وعنده تقف الوجوه،
وفي ظله تشعر النساء أن المدينة ما زالت تملك شيئًا من روحها،
ولو فسد كثير من ظاهرها.

وكان محمد قد نجح، خلال الشهور الماضية،
في أن يجعل بعض العلماء يرفعون فيه لسانًا متزنًا:
لا يُشعل الفوضى،
ولا يبرر الذل.
وكان هذا، في عين السلطة، خطرًا بالغًا.

فالأسواق قد تُشترى،
والوجوه قد تُضغط،
وبعض الرجال قد يُخوَّفون،
لكن إذا وقف الجامع في الوسط وقال للمدينة:
“إن الوقوف مع العدل ليس خروجًا عن الدين،
وإن الخوف لا يصير طاعةً لمجرد أنه لبس لباس القانون”،
فإن المدينة كلها تبدأ تفهم نفسها على صورةٍ مختلفة.

ولهذا،
اختير يوم جمعة.

لا لفضّ صلاة،
فهم ليسوا أغبياء إلى هذا الحد،
ولكن لضرب ما قبل الصلاة وما بعدها،
ولإهانة لسان المدينة الشرعي في موضعه،
حتى يدخل الخوف إلى صدور العلماء قبل أن يدخل إلى صدور السوق.

في ذلك اليوم،
تقدم الشيخ عبدالرؤوف إلى المنبر،
وكانت في المدينة شائعات سبقت الخطبة:
أنهم سيمنعونه إن تكلم،
أو أنهم سيراقبون كل كلمة،
أو أن رجالًا من السلطة سيكونون حاضرين ليجعلوا من المسجد ساحة ضبط لا ساحة ذكر.

لكن الشيخ لم يتغير في ظاهره.
صعد المنبر،
وحمد الله،
وصلى على النبي،
ثم بدأ كلامه من حيث يكره الظالمون أن يبدأ الصالحون:

— إن من أعظم الفتن أن يعتاد الناس الذل حتى يسموه سلامًا،
وأن يعتادوا الظلم حتى يسموه قدرًا،
وأن يخافوا من العدل لا لأنه باطل،
بل لأن طريقه قد يكلّفهم ما لا يحبون.
ثم سكت، وأردف:
— وليس من الدين أن يُترك الناس بين ظالمٍ ينهبهم،
وخائفٍ يبرر بقاءه بينهم لأنه يخاف الفوضى.
بل من الدين أن يُطلب العدل من بابه،
وأن يُمنع الظلم من بابه،
وأن لا يُعبد الخوف.

لم يذكر عبد الملك بالاسم.

ولم يحتج إلى ذلك.
فالمدينة كلها كانت تعرف أين يمشي الكلام.

لكن ما إن نزل من المنبر،
أو همّ بالنزول،
حتى وقف اثنان أو ثلاثة من رجال السلطة عند طرف المسجد،
ومعهم رجل معروف بقسوته وضيق أفقه،
فقال بصوتٍ أراد أن يسمعه الناس:

— الشيخ يُستدعى.
لدينا أسئلة عن خطبته.
والجامع ليس منبرًا للفتن.

كانت العبارة وحدها كافية لأن تسري في المسجد كالسمّ.
فالناس خرجوا من الصلاة،
ولم يبتعد الخشوع بعدُ عن صدورهم،
فإذا برجلٍ يريد أن يجعل من الجامع نفسه امتدادًا لغرفة التحقيق.

وهنا،
وقع ما لم تكن السلطة تريده بهذه السرعة:

لم يتحرك الناس صراخًا أولًا،
بل تجمّدوا.

والتجمّد في المدن أخطر من الصياح أحيانًا.
لأنه اللحظة التي تشعر فيها المدينة كلها أن شيئًا مقدسًا في نظامها المعنوي قد مُسَّ.

اقترب بعض العلماء.
ثم بعض وجوه السوق.
ثم وقف رجال من عامة الناس في نصف دائرةٍ لا تشبه الهجوم،
ولا تشبه الانسحاب.

وقال شيخٌ كبير:
— لا يُؤخذ عالم المدينة من باب الجامع كأنه لص.
وقال تاجر:
— إن كان لكم سؤال، فليكن في مجلسٍ معلوم،
لا في إذلالٍ مقصود.

لكن رجال السلطة لم يتراجعوا.

بل أمسك أحدهم بذراع الشيخ عبدالرؤوف،
وكانت هذه اللمسة وحدها شرارةً كادت أن تشقّ المدينة نصفين في لحظة.

في هذه اللحظة بالذات،
كانت المدينة تُختبر:
هل تصرخ؟
هل تسكت؟
هل تترك الشيخ يُسحب من باب جامعها؟
أم تقف؟

وكان عبد الله في أطراف المشهد قبل أن يكتمل.

ثم وصله الخبر إلى محمد،
ثم إلى سعيد،
ثم إلى عبد الملك.

لكن قبل أن يصل عبد الملك،
كانت المدينة نفسها قد بدأت تقول أول كلمة.

قالها رجلٌ من العامة، لا عالم، لا تاجر كبير،
بل رجل من أهل المسجد،
صاح من غير اتفاق مسبق:

— لا.

لم تكن “لا” سياسية.
بل كانت “لا” أخلاقية،
ردًّا أول على أن يُهان الجامع في عالمه.

ثم ترددت “لا” في أكثر من صدر،
وفي أكثر من موضع.

وهنا،
عرفت السلطة أنها دفعت المدينة إلى زاويةٍ قد تختار فيها نفسها.