الفصل الثلاثمئة وعشرة: أحمد… الحرم يثبت المعنى
في مكة،
كان أحمد قد بلغ موضعًا جعله لا يعود ضيفًا في المعنى،
ولا مجرد قارئ حسن الصوت،
بل وجهًا يعرفه من حوله ويحسبون له وزنه.
وفي تلك المرحلة تحديدًا،
جاءته أخبار أكثر وضوحًا عن المدينة التالية،
وعن أن قلب البوسنة بدأ يميل،
وعن أن الناس هناك يسألون لا عن عدل عبدالملك في الأطراف فقط،
بل عن صلاحيته لقيادة القلب.
وكانت هذه الأخبار تفعل في أحمد ما لا يراه كثير من الناس.
فهو،
كلما اتسع لأخيه بابٌ في الأرض،
زاد خوفه على نفسه في السماء.
لأنه كان يدرك أن الطريقين — طريق الحكم وطريق الحرم — إذا لم يتطهرا معًا،
اختلّ المشروع من أصله.
دخل على شيخه ذات يوم،
فقال له الشيخ:
— أراك أشدّ سكونًا هذه الأيام.
قال أحمد:
— لأنني أشعر أن ما يخرج هناك صار أكبر من بيتنا،
وأخاف أن يكون لي هنا اسمٌ يكبر في أعين الناس أكثر مما ينبغي.
فقال الشيخ:
— وهذا خوفٌ شريف.
ثم أضاف:
— اعلم يا أحمد،
أن الحرم لا يثبّت الناس في الأرض إلا إذا ثبتوا هم فيه لله أولًا.
فإذا صرت يومًا إمامًا أو قارئًا تُعرف به البوسنة وبيتك،
فإياك أن تظن أنك جزء من هيبة المشروع فقط.
بل أنت حارس روحه.
فإن دخل الرياء إليك،
أو دخل الهوى،
انكسر في المشروع شيء قد لا يراه الناس سريعًا، لكنه يفسده من العمق.
هذه العبارة دخلت أحمد كالسهم الهادئ.
وشعر أن الله يربط بين ما يفتحه لعبدالملك في الأرض،
وما يفتحه له في الحرم،
بطريقٍ واحد:
طريق الحفظ من النفس.
وكتب إلى صفية:
“كلما اقترب الأمر هناك،
ازددتُ هنا خوفًا أن يفسدني اللهجة أو الثناء أو التعويل عليّ.
فادعي لي أن أبقى موصولًا بما خرجتُ منه،
لا بما يقول الناس عني.”
فلما قرأت صفية الرسالة،
ضمتها إلى صدرها،
وقالت:
— الحمد لله الذي ما زال يرى الطريق من أوله.