الجزء السابع والثلاثون: المدينة حين تُدخل الاسم إلى قلب البوسنة

الفصل الثلاثمئة وسبعة: الباب المفتوح لا يعني أن الدار آمنة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وسبعة: الباب المفتوح لا يعني أن الدار آمنة

لم يكن قولهم: “المدينة تفتح الباب” معناه أن المدينة صارت لعبدالملك،
ولا أن الخطر انكسر،
ولا أن الطريق إلى قلب البوسنة قد صار معبّدًا بالرضا.

بل كان معناه شيئًا أشد دقة وأخطر وزنًا:

أن المدينة لم تعد تقاومه من أصلها.
وأنها مستعدة لأن تختبره من الداخل.

وهذا الفارق هو الذي يعرفه الرجال الكبار ولا يلتبس على عقولهم.

فالباب إذا فُتح،
فإن الداخل إليه قد يكون موضع ترحيب،
وقد يكون موضع مراقبة،
وقد يكون موضع رجاء،
لكنه في كل الأحوال يصير تحت بصر الدار كلها:
أسواقها،
ومساجدها،
وبيوتها،
وألسنتها،
وأعدائها،
ومن ينتظرون أن يزلّ ليثبتوا لأنفسهم أن الأمل كان خطأ.

ولهذا، لم يستقبل سعيد خبر المدينة كما يستقبل الغافلون الفتح الخالص.
بل قال لعبدالملك في ليلتها:

— الباب المفتوح يا بني لا يعني أن الدار آمنة.
أحيانًا يكون الباب المفتوح أخطر من الباب المغلق،
لأنك إذا وقفت خارجه كنت تعرف موقعك،
أما إذا دخلته،
صار كل شقٍّ في الجدار يسألك:
من أنت؟
وماذا ستصنع؟
ولمن جئت؟

ثم أضاف وهو ينظر إليه بعين الأب الذي لا يكتفي بأن يفرح، بل يقرأ ما وراء الفرح:
— من الليلة،
لا أريدك أن تفكر في المدينة على أنها الغنيمة التالية،
بل على أنها الامتحان الأكبر لصدق صورتك عند الناس.
فإن أحسنت الدخول،
صارت المدينة لسان البوسنة كلها.
وإن أخطأت،
فستصير المدينة أول من يرد عليك ما أحبته فيك.

وكان عبدالملك يسمع،
ويشعر أن قول الرجال في المجلس: “المدينة تفتح الباب”
لم يخفف الحمل،
بل زاده.

لأن القرى إذا خذلته يومًا،
كان وجع ذلك في أطراف البلاد.
أما المدينة،
فإن خذلته أو خذلها،
وصل الوجع إلى القلب.

وفي تلك الليلة أيضًا،
لم تدع صفية الوجوه المشرقة في البيت تسترسل في الفرح الجميل.
جمعت البنات بعد أن خفّ المجلس،
وقالت لهن:

— لا أريد الليلة أن أرى فيكنَّ فرحًا خفيفًا.
المدينة إذا فتحت بابها،
فهذا ليس عرسًا،
بل ثقل جديد.
ومن لا يعرف ثقل الأبواب المفتوحة،
ربما دخلها بما يليق بالأعياد لا بما يليق بالتاريخ.

فسألتها عائشة، وقد كانت أكثرهن حساسية لالتقاط المزاج:
— أتريديننا ألا نفرح؟
فابتسمت صفية ابتسامةً فيها رقة المعرفة، وقالت:
— بل افرحن،
لكن فرحًا له ركبتان يركع بهما لله،
لا فرحًا يرفع الرأس على الناس.

أما مريم،
فكانت تفهم أكثر من أخواتها معنى ما تقوله أمها.
وقد قالت بهدوء:
— لأن المدينة إذا دخلت،
دخلت معها عيونٌ أكثر،
وألسنةٌ أكثر،
واختباراتٌ لا تقع في القرى بهذه السرعة.
فقالت صفية:
— نعم.
ولهذا،
من الليلة،
كل كلمة،
وكل حركة،
وكل زيارة،
وكل رسالة،
وكل ظهور،
سيُحسب بميزانين:
ميزان البيت،
وميزان المدينة.

وهكذا،
دخل البيت كله من باب المدينة قبل أن تدخلها أقدامهم رسميًا.