الجزء السادس والثلاثون: المدينةُ التي تقرّر

الفصل الثلاثمئة وواحد: صفية تدخل المدينة من باب النساء

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وواحد: صفية تدخل المدينة من باب النساء

في مساء اليوم نفسه،
كانت الحادثة قد دخلت البيوت.

وفي المدن،
قد يكون ما تقوله النساء في مساء يومٍ مضطرب أخطر مما يقال في السوق نفسه.

ففي بعض البيوت، قيل:
— رأيتم؟
لو دخل هؤلاء علينا باسم عبد الملك لأحرقوا السوق.
وفي بيوتٍ أخرى:
— لا…
بل لو لم يكن في المدينة من يُحسن رد الغضب إلى موضعه، لاحترق اليوم كل شيء.

وكانت صفية قد توقعت أن هذا اليوم سيأتي.

ولهذا، لم تنتظر حتى يكتمل حديث النساء وحده.
أرسلت مريم أولًا إلى بيتٍ من البيوت الرفيعة التي تخاف الفوضى أكثر من الظلم أحيانًا.
وأرسلت خديجة إلى بيتٍ آخر تُحترم فيه الكلمة الهادئة.
وأرسلت عائشة إلى الحيّ الذي يحتاج أن يُخفف عنه ثقل التوتر قبل أن يسمع المعنى.

أما هي، فقد دخلت بنفسها إلى بيت امرأةٍ من سيدات المدينة،
زوجة أحد وجوه السوق،
امرأة عاقلة،
لكنها من النوع الذي لا يسلّم قلبه لأحد حتى يرى هل القادم يحمل النظام أم لا.

جلست صفية معها،
ولم تبدأ بالسياسة،
ولا بعبد الملك،
بل بدأت من النساء.

قالت:
— ما وقع اليوم في السوق لم يهِن شيخًا فقط،
بل اختبر البيوت:
هل تريدون لرجالكم أن يصيروا أدوات خوفٍ دائم؟
أم رجال كرامة تعرف متى تثبت ومتى تمنع نفسها من أن تُستدرج؟

قالت المرأة:
— والمدينة تخاف.
الظلم نعرفه،
أما التغيير فنخاف أن يكون أوسع من قدرة السوق والبيوت عليه.
أجابت صفية:
— وهذا خوفٌ لا أحتقره.
لكنني أخاف من شيء آخر:
أن تعتاد المدينة الذل حتى تسمّيه “استقرارًا”.
ثم أضافت:
— نحن لا نريد أن نحمل المدينة إلى حربٍ تُكسر بها بيوتها،
ولا أن نتركها لقهرٍ تُكسر به أرواحها.
ونحن نعرف أن السوق لا يعيش على الحماسة،
بل على الميزان.
ولهذا، إن دخلناه، دخلناه بميزانه لا بناره.

نظرت المرأة إلى صفية طويلًا،
وقالت:
— فيكِ شيء يطمئنني أكثر مما تطمئنني به الخطب.
ابتسمت صفية ابتسامةً قصيرة، وقالت:
— لأن الخطب تُسمع،
أما النساء فيحتجن أن يرين في وجه المرأة هل بيتها يعرف معنى الثبات أم لا.

ومن هذا الباب،
بدأت نساء المدينة يشعرن أن القادم من بيت صفية ليس مجرد رجالٍ يقفون في الساحات،
بل نساء يعرفن ماذا يعني أن تدخل الدولة البيوت.

وكان هذا بالغ الأثر.
لأن المدينة لا تختار بوجه رجالها فقط،
بل باطمئنان نسائها إلى أن ما يقترب لن يبتلع أولادها في الفوضى.