الفصل المئتان وثمانية وتسعون: سؤالُ المدينة التالية
بعد أسابيع من العمل في أبواب المدينة،
صار السؤال أكبر من السابق.
لم يعد:
هل يمكن أن ندخل؟
بل:
متى نُظهر أننا دخلنا؟
فالمدينة بدأت تشعر بوجودهم في السوق،
وفي العلماء،
وفي النساء،
وفي الطرق.
وبعض وجوهها صار يميل،
وبعض فقرائها بدأوا يقولون:
“ليت ما حدث في الرقعة الأولى يمتد إلينا”،
وبعض تجارها صاروا يرون أن النظام القادم — إن ثبت — أنفع لهم من الاضطراب الذي يأكلهم كل موسم،
وبعض علمائها أدركوا أن الصمت الطويل قد يتحول خيانة.
لكن السلطة أيضًا بدأت تنتبه.
وقد رأت أن عبد الملك لا يدخل المدينة فجأةً،
بل يدخلها كما يدخل الماء في الأرض:
هادئًا أولًا،
ثم لا يلبث أن يصير في كل موضع منها أثرٌ منه.
ولهذا، اجتمع سعيد ببيته ورجاله الأقربين،
وقال الجملة التي فتحت باب السؤال التالي:
— الرقعة الأولى صارت تحت اليد.
والمدينة التالية بدأت تعرفنا من أبوابها.
لكن بين المعرفة والإمساك مسافةٌ أخطر من كل ما سبق.
فإن أخطأناها،
أضعنا المدينة والرقعة الأولى معها.
وإن أحسناها،
اقتربنا من قلب البوسنة اقترابًا لا رجعة بعده.
ثم نظر إلى عبد الملك، وقال:
— من اليوم، لا أسأل:
هل تستطيع أن تدخل المدينة؟
بل أسأل:
هل تستطيع أن تمنع نفسك من دخولها قبل أن تفتح لك أبوابها بالقدر الكافي؟
وساد الصمت.
كان السؤال أشد من أن يجيب عنه الرجل بكلمة.
لأنه سؤال يختبر الشجاعة بالصبر،
والحماسة بالعقل،
والقدرة على الفعل بالقدرة على الانتظار.
وهنا، انتهى هذا الجزء على عتبة سؤالٍ جديد:
كيف تُفتح المدينة التالية؟
أبالعدل المتسلل في أبوابها؟
أم بالحدث الذي يجبرها على أن تختار؟
ومن الذي سيدفع ثمن هذا الاختيار أولًا؟