الجزء الرابع والثلاثون: أولُ رقعةٍ تحت اليد

الفصل المئتان وتسعة وثمانون: صفية وأول ليلة فهمت فيها معنى “أم الدولة”

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وتسعة وثمانون: صفية وأول ليلة فهمت فيها معنى “أم الدولة”

في إحدى الليالي، بعد أن هدأت أحوال الرقعة الأولى نسبيًا،
وجلست صفية في طرف مجلسها،
دخلت عليها امرأة من النساء الثقات وقالت لها بلا تكلف:

— يا صفية،
أتعلمين ماذا يقول بعض النساء عنكِ الآن؟
رفعت رأسها، وقالت:
— ماذا؟
قالت:
— يقلن إنكِ لم تعودي فقط أمَّ عبد الملك وإخوته…
بل صرتِ أمًّا لما يخرج من هذا البيت إلى البلاد.

سكتت صفية.

لم تعجبها العبارة من جهة الزهو،
بل أخافتها.

قالت:
— لا أحب الأسماء الكبيرة إذا قيلت قبل أن يثبت معناها.
فقالت المرأة:
— لكنني أخبركِ بما يقع في القلوب.
إن النساء حين ينظرن إليكِ،
يرين امرأةً خرجت من خوفٍ طويل،
وربّت أبناءها،
وثبتت في الأذى،
ولم تفقد روحها وهي تدخل البيوت والرجال والقرى في شدة الأيام.
ولذلك، يرين فيكِ الآن شيئًا أكبر من أمومة البيت.

وبعد أن خرجت المرأة، بقيت صفية وحدها طويلًا.

وفهمت لأول مرة على وجهٍ جديد أن دورها لم يعد فقط حفظ الداخل من أجل الخارج،
بل صار صناعة المعنى الداخلي للدولة كلها:
كيف ترى النساء الحكم؟
كيف يدخل إلى البيوت؟
كيف يُربى الصغار على أنه عدل لا خوف؟
كيف يُحفظ الستر إذا اتسعت الأسماء؟
كيف لا يسرق الضوء البيوت من بساطتها؟

دخل عليها سعيد بعد ذلك،
ورأى في وجهها أثر تفكرٍ عميق.
فسألها:
— أين ذهبتِ الليلة؟
قالت:
— إلى معنى أخافه.
— ما هو؟
— أن الناس بدأوا يضعون فيّ ما هو أكبر من أن يليق ببشر.
فابتسم برفقٍ وقال:
— وهذا امتحانكِ كما أن الواجهة امتحان عبد الملك.
ثم أضاف:
— لكن إن أنتِ حفظتِ نفسكِ من الاسم،
وحفظتِ البيوت من أن ترى فيكِ صورةً فوقية،
كنتِ حقًا ما يحتاجونه:
أمًّا لمعنى لا لصنم.

فهدأت نفسها قليلًا،
وعرفت أن كل بابٍ في هذا المشروع له فتنه الخاصة،
وليس الضوء على الرجال وحدهم.