الجزء الرابع والثلاثون: أولُ رقعةٍ تحت اليد

الفصل المئتان وخمسة وثمانون: الليل يسترد هيبته

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وخمسة وثمانون: الليل يسترد هيبته

من أكثر ما أفسدته السلطة في السنوات السابقة أن الليل فقد هيبته الآمنة.

كان الليل عند كثير من القرى زمنًا للخوف،
لا من الذئاب وحدها،
بل من رجال الجباية،
ولصوص الطرق الذين يحمون من فوقهم،
والسكارى،
وأهل الفتن،
ومن أولئك الذين يعرفون أن السلطة مشغولة بغيرهم أو شريكة لهم.

ورأى عبد الملك أن الرقعة الجديدة لن تثبت إن لم يشعر الناس أن الليل عاد لهم.

فأمر من الليلة الأولى بنظامٍ جديد:
رجالٌ معروفون من أهل القرى أنفسهم،
لا غرباء مستأجرون،
يدورون في الحدود والطرق،
بأسماء معلومة،
ووجوه معلومة،
وحساب معلوم إذا ظلم أحدهم أو قصر.
لا يبتزون الناس،
ولا يرفعون أنفسهم عليهم،
بل يؤدون خدمة تحفظ الأمن وتمنع أن يتحول “حفظ الليل” إلى باب ظلم جديد.

كان عبد الله هو الذي رتّب ذلك كله.
اختار من الرجال من لا تفسدهم العصا في أيديهم،
ومن فيهم قدرٌ من الهيبة من غير قسوة،
ومن يعرفون القرى لا لأنهم سكنوها فقط،
بل لأنهم يعرفون مَن فيها من أهل الخير وأهل الاضطراب.

وقال لهم:
— أنتم لا تملكون الليل،
أنتم تحرسونه للناس.
ومن ظن منكم أن العصا في يده ترفعه على من حوله،
كسرناه بها قبل أن يفسد علينا المعنى.

وبعد ثلاثة أيام فقط،
بدأت النساء يقلن في البيوت:
— لقد عدنا نسمع خطى الحراسة فلا نخاف منها.
وقال بعض الرجال:
— منذ سنين لم أنم وأهلي في القرية وأنا مطمئن أن الطريق من البيت إلى الساقية أو من طرف الزرع إلى الباب لا يمرّ على وحشين: وحش الليل ووحش من يزعمون حمايته.

وهكذا، لم تكن الرقعة تُحكم بالشعارات،
بل بأشياء صغيرة جدًا في ظاهرها،
كبسط الأمن العادل في الليل،
لكنها في الحقيقة من أول شروط الدولة.