الجزء الثالث والثلاثون: النار التي اختبرت الدولة الممكنة

الفصل المئتان وتسعة وسبعون: صباحُ ما بعد الضربة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وتسعة وسبعون: صباحُ ما بعد الضربة

طلع الفجر.

ولم تكن البوسنة بعده كما كانت قبل الليل.

لم تكن هُزمت،
ولم تكن انتصرت أيضًا على الصورة التي يحبها الشعراء،
لكنها فعلت شيئًا أخطر وأعمق:

لقد تحملت الضربة الكبيرة الأولى، ولم تنهَر.

المخزن الذي أُغلق لم يتحول إغلاقه إلى مجاعة لأن رجال الوقف والقرى نقلوا ما يمكن نقله.
الكاتب الذي دُهم بيته لم يفتحوا منه باب الأسرار كله، لأن صفية وعبد الله ومحمد سبقوا الفزع.
الرجال المعتقلون لم يتحول اعتقالهم إلى ذعرٍ عام، لأن الوجوه ثبتت، والنساء لم يدعن البيوت تتداعى.
والشائعة الكبرى عن اعتقال عبد الملك فشلت، لأنه بقي في موضعه الصحيح، لا مختبئًا كما يريد الخوف، ولا منطلقًا في الليل كما يريد الاستفزاز.

وفي الصباح، خرج الناس إلى وجوه بعضهم بعضًا على نحوٍ جديد.

كان في العيون تعب،
وسهر،
وغضب،
وخوفٌ لم يمت،
لكن كان فيها شيء آخر أيضًا:

الاحترام.

احترامٌ لبيتٍ ضُرب في أكثر من موضع،
ومع ذلك لم يصرخ،
ولم ينهَر،
ولم يدفع الناس إلى تهورٍ ينتحر بهم،
بل عبر الليل كما تعبر الدول الأولى في مخاضها:
متألمة،
لكن ماسكة خيوطها.

وقف سعيد في مجلسٍ صغير بعد الفجر،
وأمامه عبد الملك وعبد الله ومحمد.

قال:
— الليلة، لم نربح نصرًا…
لكننا ربحنا شيئًا لا يقل عنه:
لقد عرفنا أننا نملك أن نتحمل الضربة الأولى من غير أن نسقط.
ثم أضاف:
— وهذا هو أول تعريفٍ عملي لما بعد الإعلان.
الدولة الممكنة لا تُعرف بخطبةٍ وبيعة فقط،
بل تُعرف هل إذا ضُربت ليلًا بقيت عند الفجر قادرة على الفعل أم لا.

نظر إلى عبد الملك وقال:
— والآن،
يمكن أن نخطو الخطوة التي بعدها.
رفع عبد الملك رأسه:
— ما هي؟
قال:
— أن نخرج من وضع ردّ الضربات،
إلى وضع إمساك الرقعة.
لم نعد نعيش فقط كيف نحفظ أنفسنا،
بل سنبدأ كيف نُظهر في بعض المواضع أن الأرض لها يدٌ أخرى غير يدهم.

كانت الجملة ثقيلة.
لأن معناها أن الصراع يدخل طورًا جديدًا:
ليس مجرد ثبات أمام الضرب،
بل بداية الإمساك الفعلي ببعض المواضع والقرى والطرق على وجهٍ أشبه بالحكم الواقعي.

وسكت الجميع.

ثم قالت صفية، وكانت قد دخلت المجلس في آخره:
— لكن قبل الخطوة التالية،
أريد أن يُقال شيءٌ واضح:
البيت نجح لأنه لم يترك الداخل ينهار.
فلا ينسَ أحدٌ هذا إذا بدأ الخارج يلمع أكثر.
نظر إليها سعيد، وقال:
— نعم.
وهذا حقُّك علينا أن يُذكر.