الفصل المئتان وثمانية وسبعون: محمد بين العلماء والخبز
أما محمد، فقد دخل تلك الليلة إلى واحدة من أصعب طبقاته.
إذ كان عليه أن يفعل شيئَين في وقتٍ واحد:
أن يثبت العلماء،
وأن يثبت الخبز.
اجتمع ببعض الشيوخ في موضعٍ آمن نسبيًا،
وقال لهم:
— الليلة ليست ساعة المنابر المرتفعة.
إن خرج أحدكم بما لا يضبط الناس، أفسدنا.
وإن سكتَّم سكوتًا يجعل الناس يظنون أنكم تراجعتم، خذلناهم.
نريد منكم لسانًا يهدئ الفزع،
ويثبت المعنى،
ويمنع الدم من أن يُستدعى قبل أوانه.
ثم مضى بنفسه إلى بعض رجال الوقف.
فتح الدفاتر،
وسأل عن المؤن،
وعن المخازن البديلة،
وعن القرى التي يمكن أن تُنقل إليها بعض الأرزاق من غير أن تُفتَضح،
وعن الوجوه التي يمكن الوثوق بها إذا احتاج الأمر إلى نقل المال لا الطريق فقط.
قال له أحد الرجال:
— يا سيدي، لعلنا نحبس بعض المال حتى نرى ما يصير.
فنظر إليه محمد، وقال:
— إذا حبستَ المال خوفًا من غدك،
ومات طفل اليوم لأن خبزه تأخر،
فأيُّ غدٍ كنت تحفظ؟
ثم أضاف:
— نعم، نرتب، ونخفي، ونحفظ،
لكننا لا نقطع ما يجب أن يصل.
فإن الدولة العادلة إن بدأت تحفظ نفسها بقطع حق الناس، فسدت من أول ليلها.
وكان كلامه يخرج من قلبٍ يعرف الفقه والوجع معًا.
ولهذا، أطاعه الرجال لا لأن سنه أكبر، بل لأن منطقه كان أهدأ من اضطرابهم.
وفي آخر الليل، كتب ورقة مختصرة إلى أحمد في مكة، لا تُشعره بالفزع، لكن تخبره أن الليلة شديدة، وأنهم ثبتوا، وأن الدم لم يتسع، وأنه يريد منه أن يشدَّ باب الدعاء والعلم على الناس الذين يسألون هناك عن البوسنة.
وكان هذا من جمال الترتيب بينهم:
أن كل بابٍ يُطلب منه ما يناسبه،
لا ما يرضي العاطفة.