الجزء الثالث والثلاثون: النار التي اختبرت الدولة الممكنة

الفصل المئتان وستة وسبعون: صفية… حين منعت الفزع من أن يسبق الفجر

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وستة وسبعون: صفية… حين منعت الفزع من أن يسبق الفجر

في مثل تلك الليالي، لا يُختبر الرجال وحدهم.
بل تُختبر النساء في موضعٍ لا يراه كثير من الناس إلا إذا سقط.

دخل الخبر إلى الداخل على هيئة همساتٍ أولًا:
أُخذ فلان،
وأُغلق موضع،
ورأينا رجالًا عند الطريق،
ويقولون إن عبد الملك مطلوب،
وإنهم قد يداهمون قبل الفجر.

وهذه هي اللحظة التي لو تُركت فيها البيوت لنفوسها،
لخرج الخوف من الغرف أسرع من الرجال إلى الساحات.
وقد كانت صفية تعرف هذا كما تعرف موضع نبض أولادها إذا ناموا.

جمعت النساء القريبات أولًا،
ثم البنات،
ثم من في الدار من الصغيرات والكبيرات،
لا لتخبرهن بالتفاصيل كلها،
بل لتضع أول قاعدة في الليل:

— لا أحد يكرر خبرًا قبل أن أعرفه.
ولا أحد يفتح بابًا لمن لا نعرفه.
ولا تُترك الغرف للخيال.
سنصلي،
ونرتب،
ونبقي البيت بيتًا.

قالت مريم، وقد صار عقلها أقرب إلى عقل أمها في مثل هذه الساعات:
— وماذا نقول لمن ستأتي مذعورة من النساء؟
قالت:
— نقول الحقيقة من غير تهويل:
نعم، هناك ضربات.
ونعم، قد تشتد الأمور.
لكن لا أحد يقول: انتهينا، أو ضاع كل شيء، أو أخذوا البيت، أو سقط الرجال.
فالكلمة في مثل هذه الليلة قد تقتل قلبًا قبل أن تمسه يد.

وأرسلت خديجة إلى موضع الأطفال والضعفاء في البيت،
فلا يسمعون إلا ما ينبغي أن يسمعوه.
وقالت لعائشة:
— حركتك الليلة ليست لعبًا.
إن دخلت امرأةٌ علينا مكسورة، فكوني لها سترًا.
ولا تتركي أحدًا في الداخل يتعلم من وجهك أن الدنيا انهارت.
هزّت عائشة رأسها، وقد فهمت أن خفة روحها الليلة يجب أن تكون خدمةً لا عادة.

أما فاطمة، فقد بقيت قريبة من أمها.
لا لأنها أضعف،
بل لأن صفية أرادت لها أن ترى الليالي الكبرى كما تُرى من الداخل:
لا كقصصٍ تُسمع بعد وقوعها،
بل كحملٍ يُدار بالصبر والوعي والسكينة.

وما هي إلا ساعة أو أقل حتى بدأت النساء يصلن.

امرأة أحد المعتقلين،
وأمٌّ من قريةٍ قريبة ظنت أن الطريق قُطع نهائيًا،
وشابة جاءت تبكي وتقول إنهم قالوا: سيأخذون كل من خرج اسمه مع اسم عبد الملك.

استقبلتهن صفية واحدةً واحدة،
لا بكلامٍ كثير،
بل بطريقةٍ إذا جلست أمامها المرأة شعرت أن الدنيا، وإن اضطربت، لم تخرج بعد عن يد الله.

قالت لزوجة أحد المعتقلين:
— لا تبكي أمام أولادكِ كأن أباهم صار مفقودًا.
قولي: أخذه الظالمون، ونحن نعرف موضعه عند الله وعند الرجال.
البيت إذا فقد لسانه في أول ليلة، ضاع بعد ذلك في كل ليلة.

وقالت للأم الخائفة على الطريق:
— الطريق لا يُختصر في جسرٍ أو أمرٍ مكتوب.
لدينا رجال يعرفون كيف تُفتح الطرق إذا أُغلقت.
فعودي إلى بيتكِ على يقينٍ لا على شائعة.

وكانت تلك الليلة أول ليلةٍ تفهم فيها بعض النساء في البوسنة أن صفية ليست فقط سيدة أوقاف وبيت،
بل قلب الدولة الممكنة في ساعات الفزع.