الجزء الثاني والثلاثون: كيف تُحمى الدولة الممكنة قبل أن تقوم؟

الفصل المئتان وأربعة وسبعون: السؤال الأخير قبل الصدام الأكبر

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وأربعة وسبعون: السؤال الأخير قبل الصدام الأكبر

مرت أسابيع أو أشهر — بحسب إيقاع الرواية — بعد الإعلان،
وتبدلت أمور كثيرة.

اشتد حضور البيت في القرى.
واتسعت شبكة الرجال.
وثبتت بعض الوجوه وثبت معها كثير من البيوت.
ودخلت مكة في نسيج البوسنة عبر أحمد على نحوٍ أعمق.
واقتربت فاطمة من خطبتها العلنية في الدوائر الكبرى.
واشتد محمد في موضع العلم والوقف.
وصار عبد الله يسيّر ما تحت السطح كأن في صدره خريطة دولة تتشكل.

لكن السلطة لم تكن نائمة.

كانت ترى، وتحسب، وتغضب، وتؤجل.
وكانت تعرف أن الإعلان إن تُرك حتى تتشعب جذوره أكثر،
صار اقتلاعه أغلى عليها.
ولذلك، بدأت تميل إلى ما كان يخشاه الجميع منذ البداية:

الضربة الكبيرة.

لا ورقة بعد اليوم.
ولا كمينًا صغيرًا على طريق رجلٍ من رجال الظلال فقط.
ولا استدعاءً مهينًا يختبر أعصاب عبد الملك.
بل ضربةً تُراد بها واحدة من اثنتين:
إما أن تُكسر الرأس قبل أن يشتد الجسد،
وإما أن يُستدرج الرجل إلى مواجهة قبل أن تكتمل له الأرض.

وشعر سعيد بهذا من أول رائحة الأخبار.

ففي ليلةٍ من الليالي، جمع عبد الملك وعبد الله ومحمد، ثم دعا صفية بعد قليل، لأنه لم يعد من الحكمة أن تُترك خارج كل طبقات القرار.
جلسوا.
وكانت وجوههم تعرف أن شيئًا جديدًا يقترب.

قال سعيد:
— نحن الآن على حافة السؤال الأخير قبل الصدام الأكبر.
نظروا إليه جميعًا.
فقال:
— لم يعد السؤال:
هل أعلنّا؟
ولا: هل الناس معنا؟
ولا: هل ثبتت الوجوه؟
بل السؤال الآن:
إذا جاءت الضربة الكبيرة،
فهل نأخذها ونحن لا نزال في طور الدولة الممكنة،
أم نحوّلها — بفضل الله ثم بحسن ترتيبنا — إلى الضربة التي تُخرج الدولة إلى التكوين الفعلي؟

ساد الصمت.

كان السؤال عظيمًا إلى الحد الذي يجعل كل ما قبله يبدو إعدادًا له.

قال عبد الله:
— وهذا يعني أننا دخلنا المنطقة التي لا يفصل فيها بين النجاح والهلاك إلا ترتيب دقيق جدًا.
قال سعيد:
— نعم.
وقال محمد:
— ويعني أيضًا أن العلم والوقف والبيوت يجب أن تتصرف من الآن على أن البلاد قد تدخل اضطرابًا أعظم.
وقال سعيد:
— نعم.
ثم نظر إلى صفية:
— ويعني أن الداخل في البيت سيُختبر أكثر من أي وقت.
قالت:
— أنا أعلم.
وسأشدُّ ما أستطيع.
ثم قالت بصوتٍ هادئ لكنه نافذ:
— لكن اسمعوا أنتم أيضًا:
إذا جاءت الضربة الكبيرة، فلا تدعوها تدخل إلى أرواحكم أسرع من دخولها إلى واقعكم.
فإن بعض الرجال تنكسر أرواحهم قبل أن تمسهم الأيدي،
وهذا أخطر.

ثم التفتت إلى عبد الملك، وقالت:
— وأنت…
قد يأتي يومٌ قريب تُسأل فيه أن تكون أكثر من حامل العهد.
قد تُسأل أن تكون مركز الثبات كله.
فلا تجعل لحظة الضربة تختصر في صدرك السنين كلها.
تذكر دائمًا أنك لم تصل إلى هنا وحدك،
ولن تدخل ما بعده وحدك.

نظر إليها طويلًا، وقال:
— لن أنسى.

وفي آخر المجلس، نهض سعيد، وقال الجملة التي فتحت باب الجزء التالي من القصة:

— من هذه الليلة، لا نعدّ أنفسنا لليوم الذي يُعرف فيه الاسم فقط،
بل لليوم الذي تُختبر فيه الدولة الممكنة بالنار.
فإن نجونا منه على بصيرة،
لم نعد بعده مشروعًا يُرجى،
بل أمرًا واقعًا يتكوّن.
وإن أخطأنا،
أكلتنا لحظةٌ واحدة مما بنيناه سنين.

وهكذا، انتهت مرحلة الإعلان والاتساع الأول،
وبدأت مرحلة أعظم وأشد:

مرحلة الضربة الكبيرة،
التي ستعرف فيها البوسنة:
هل ما خرج إلى العلن كان فعلًا بداية دولة…
أم مجرد اسمٍ جميل جاء قبل أوانه؟