الفصل المئتان وثلاثة وسبعون: عبد الملك وتربية ما بعد البيعة
بعد الإعلان والبيعة، بدأ عبد الملك يدخل مرحلة لم يكن فيها متلقيًا للوفاء فقط،
بل صار مطالبًا أن يربّي هذا الوفاء نفسه.
فالبيعة، إذا تُركت لمشاعرها الأولى،
قد تتحول إلى تعلقٍ أشخاصي،
أو اندفاعٍ يفوق الطاقة،
أو توقعٍ من الرجل أن يكون معصومًا،
أو استرخاءٍ عند الناس يظنون بعده أن كل شيء قد تم.
وهذا كله كان يخيفه.
قال لأبيه:
— أرى في عيون بعضهم اليوم شيئًا يقلقني.
— ما هو؟
— كأنهم يقولون: الآن قد حملناك، فامضِ أنت والباقي عليك.
تبسم سعيد ابتسامةً فيها مرارة الحكمة، وقال:
— وهذا من أخطر ما في البيعة.
أن يحب الناس الرجل ثم يلقوا عليه ما ينبغي أن يحملوه معه.
ولهذا قلت لك: لا تقبل بيعة الرجل إذا لم تُبَيِّن له ثمنها عليه أيضًا.
ومن هنا، بدأ عبد الملك يغيّر طبيعة كلامه في المجالس.
لم يعد فقط يطمئن الناس،
ولا يكتفي بأن يكون موضع رجائهم،
بل صار يردّ كل رجاءٍ إلى تكليف.
إذا قال له شيخ قرية:
— نحن معك.
قال:
— وأنا معكم إذا ثبتّم.
وإذا قال له شاب:
— مرني.
قال:
— بل تأدّب أولًا، ثم احمل ما تستطيع، ولا تطلب من نفسك صورة أكبر من صدقها.
وإذا قال له تاجر:
— مالي بين يديك.
قال:
— بل اجعل مالك في موضعه الصحيح، ولا تفسد علينا المقصد بحماسة لا تعرف أين تنزل.
وكان هذا يُربي الناس كما يُربي نفسه.
وذات يوم، جلس مع عددٍ من شباب القرى الذين اشتدت فيهم حرارة الاندفاع بعد الإعلان،
فقال لهم:
— إياكم أن تظنوا أن الدولة تُبنى بالهتاف لي فقط.
إن أردتم أن تنصروا هذا الطريق،
فتعلّموا الصبر،
وتعلّموا الكتمان،
وتعلّموا أن الرجل لا يصير نافعًا لأنه يحب الموقف فقط،
بل لأنه يعرف كيف يحمل نفسه فيه.
فإذا عجزتم عن تربية أنفسكم،
كنتم علينا ثغرةً أكثر من كونكم قوة.
وكان بعضهم يصعب عليه هذا الكلام،
لأنه كان ينتظر من عبد الملك أن يلهب حماسته،
لكن الذين فهموا منه أدركوا أن الرجل الذي يقودهم لا يريد منهم جمهورًا،
بل بنية رجال.
وهذه كانت من علامات نضجه بعد الإعلان.