الفصل المئتان وسبعون: محمد… ميثاق الوقف والعلم
أما محمد، فقد رأى أن أعظم خطر بعد الإعلان أن يتحول الوقف والعلم إلى ذراعين مضطربين:
الوقف يندفع بالعاطفة حتى يفسد عدله،
والعلم يندفع بالحماسة حتى يفقد اتزانه.
ولهذا، بدأ يعمل على شيءٍ لم يكن الناس يسمّونه كذلك، لكنه كان في حقيقته ميثاقًا:
ميثاقًا يربط بين المال والعلم والسلطة الممكنة قبل أن تقوم السلطة رسميًا.
جمع بعض الشيوخ وطلبة العلم والكتّاب وأمناء الأوقاف، وقال لهم:
— نحن مقبلون على أيام قد يظن فيها بعض الناس أن كل مالٍ يجب أن يذهب إلى المواجهة،
وكل لسانٍ يجب أن يصير صائحًا،
وكل عالمٍ يجب أن يتحول إلى خطيب حرب.
وهذا خطأ.
لأن الدولة إذا قامت على اندفاعٍ واحد، سقطت من مواضع كثيرة.
ثم بدأ يضع أصولًا واضحة:
ألا يُمسّ حقّ الأيتام والنساء والمرضى بحجة الظروف.
وألا يتحول الوقف إلى صندوقٍ طارئ بلا نظام.
وألا يخرج العلماء إلى الناس بما يهيج العاطفة أكثر مما يضبطها.
وألا تُستعمل الشريعة لتسويغ فوضى لا مصلحة فيها.
وألا يُدفع طلبة العلم إلى الاصطفاف فوق طاقتهم فيضيع علمهم قبل أن ينفعوا به.
قال أحد الشيوخ:
— وبعض الناس سيقولون: هذا وقت الحسم، لا وقت التفاصيل.
فأجاب محمد:
— بل هذا وقت التفاصيل أكثر من أي وقت.
لأن الدول الفاسدة تسقط بالتفاصيل إذا انهارت فيها الأصول.
أما الدولة العادلة، فتثبت بالتفاصيل قبل الشعارات.
وكان كلامه عجيبًا على شابّ في سنه،
حتى قال الشيخ جلال الحق:
— لقد بدأ هذا الغلام يفهم أن إقامة الدين في الناس ليست فقط في المحاريب،
بل في حفظ المقاصد إذا اضطربت الأحوال.
وفي تلك المرحلة أيضًا، بدأ ذكر محمد يخرج من البوسنة إلى بعض أهل العلم على وجهٍ أوضح.
لم يعد فقط الأخ الهادئ لأحمد،
بل صار يُذكر بوصفه عقلًا فقهيًا ينضج في بيتٍ يُعدّ لشيء أكبر.
وكان هذا مهمًا؛
لأن البيت كله لم يكن يريد أن يذهب إلى السلطة الممكنة من غير أن يخرج معه وجهٌ علمي ثقيل،
يحفظ للمشروع روحه،
ويمنع من يتهمونه لاحقًا أن يقولوا:
كانوا رجال قوةٍ بلا ميزان.