الجزء الثاني والثلاثون: كيف تُحمى الدولة الممكنة قبل أن تقوم؟

الفصل المئتان وتسعة وستون: عبد الله ومهنة منع الانهيار

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وتسعة وستون: عبد الله ومهنة منع الانهيار

بعد مجلس الدوائر الأربع، دخل عبدالله مرحلةً جديدة أشد من كل ما سبقها.

لم يعد فقط الرجل الذي يعرف الرجال،
ولا الذي يربط الطرق والرسائل،
بل صار — من غير أن يعلن أحد ذلك — صاحب المهنة الأصعب في كل مشروع كبير:

منع الانهيار قبل أن يراه الناس.

ففي هذه المرحلة، صار كل خللٍ صغير يمكن أن يتضخم بسرعة.
كلمةٌ زائدة في قرية قد تفتح بابًا لوشاية.
تاجرٌ خائف قد يُربك سوقًا كاملًا.
عالمٌ غير متزن قد يدفع الناس إلى تطرفين معًا:
إما تهور،
وإما انكماش.
امرأةٌ يشتد خوفها في بيتها قد تردّ زوجها من موضع الحق باسم الأولاد.
وشابٌّ متحمس قد يفسد بطلقة أو ضربةٍ ما بناه الرجال في سنين.

كان عبدالله يرى هذا كله.

يجلس ليلًا على رقوقه الصغيرة، أو في ذاكرته التي صارت كأنها خريطة متحركة للبوسنة، فيعيد ترتيب الأسماء والأماكن، لا بحسب محبتها لعبدالملك وحده، بل بحسب قدرتها على الثبات.

هذا يصلح للضوء.
وهذا يصلح للمهمات الصامتة.
وهذا لا يُختبر الآن، بل يُبعد قليلًا حتى لا ينهار ويأخذ غيره معه.
وهذا يحتاج من يطمئن بيته.
وهذا يحتاج مالًا لا خطابًا.
وهذا يحتاج عالمًا يجلس إليه.
وهذا إن تُرك في السوق صار فريسة للشائعات.

وكان أحيانًا يضيق من كثرة ما يرى من ضعف البشر.
فيرجع إلى أمه أو أبيه، لا ليشكو، بل ليحفظ قلبه من القسوة.

قال لأبيه ذات ليلة:
— أتعب من هذا الباب.
كلما نظرت في الرجال أكثر، رأيتُ ما لا يسرّ.
ضحك سعيد ضحكةً قصيرة لا تخلو من تفهم، وقال:
— لأنك تنظر الآن في طبقةٍ لا يحب الناس أن تُرى في أنفسهم.
طبقة الخوف،
والطمع،
والتردد،
والحسد،
والضعف،
والرغبة أن يكونوا مع الحق من غير أن يدفعوا ثمنه.
ثم أضاف:
— لكن لا تنسَ شيئًا:
كما أن فيهم هذا كله،
ففيهم أيضًا صدقٌ،
وحياءٌ،
وقدرة على الرجوع،
وأبواب خيرٍ تظهر إذا وُضعوا في موضعها.
فإن اقتصرت على رؤية ضعفهم، قسوتَ.
وإن غفلت عن ضعفهم، أفسدتَ.
وخير السياسة العادلة أن ترى الأمرين معًا.

ثم ذهب إلى أمه بعد أيام وقال:
— أخاف أن يبرد قلبي وأنا أتعلم كيف أحسب الناس.
فقالت:
— بل اجعله يبرد في الحكم، لا في الرحمة.
وأكثِر أن تدعو لمن تراه ضعيفًا.
فإن الذي لا يدعو للناس إذا عرف ضعفهم، يوشك أن يحتقرهم.
وأنت لا تصلح لهذه الطريق إن دخل الاحتقار قلبك.

كانت هذه الكلمات تثبته.
وتجعله يعود إلى عمله أشد بصرًا، لكن أقلّ قسوة.

ومع الأيام، صار بعض الرجال يعرفون في عبدالله شيئًا لم يروه فيه من قبل:
ليس فقط هدوءه،
بل قدرته على حمل ما لا يلمع من غير أن يتبرم.

وهذه خصلة لا تُرى في الملاحم بسهولة،
لكن الدول تقوم على أمثالها أكثر مما تقوم على الخطب.