الفصل المئتان وثمانية وستون: مجلسُ الدوائر الأربع
رأى سعيد أن الدولة الممكنة لا تُحمى بردود الأفعال وحدها،
ولا بالحذر الغريزي،
بل بأن تُقسَّم على دوائر واضحة، يعرف كل بابٍ منها عمله وحدّه.
ولهذا، دعا إلى مجلس جديد،
لكنه لم يكن مجلسًا عامًا هذه المرة،
بل مجلسًا هندسيًا، إن صح التعبير،
يجمع من كل بابٍ من أبواب المشروع من يمثله:
دائرة الرجال والقرى.
ويمثلها بعض الشيوخ ووجوه الأرض وعبدالله.
دائرة العلم والشرعية الروحية.
ويمثلها العلماء ومحمد، ويصل أحمد بهم من مكة برسائله وما فُتح له هناك.
دائرة البيوت والنساء والستر والداخل.
وتمثلها صفية ومن حولها من النساء الثقات.
ودائرة الصلات الكبرى خارج البوسنة.
وتدخل فيها صلة مكة، والبيت السعودي، وما يتصل بفاطمة وأحمد وما وراءهما.
جلسوا.
وكان عبدالملك حاضرًا، لكن حضوره هذه المرة لم يكن حضور من يتلقى التأييد فقط،
بل من يتعلم كيف ينظر إلى الصورة كلها لا إلى موضعه فيها وحده.
بدأ سعيد الكلام، وقال:
— إذا أردنا أن نحمي ما خرج إلى الناس، فلا يكفي أن نقول: نثبت.
الثبات كلمة،
أما الدولة، فترتيب.
وأريد الليلة أن نعرف:
إذا ضُربت دائرة، كيف تحملها الأخرى؟
وإذا انكسر باب، كيف نسند الجدار حتى لا ينهار كله؟
ثم أشار إلى عبدالله:
— ابدأ.
فقال:
— دائرة الرجال تحتاج إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن يُعرف من يقف في الضوء ومن يبقى في الظل.
فلا نُخرج من لا يحتمل، ولا نُخفي من يجب أن يُرى.
وثانيها: أن تُربط القرى بعضها ببعض لا بالأشخاص فقط، بل بالمصالح المشتركة والطرق والمخازن والعهود.
وثالثها: أن نعرف كيف ننسحب خطوةً إذا أرادوا استدراجنا، من غير أن نظهر كمن تراجع عن حقه.
أومأ سعيد، ثم التفت إلى محمد:
— وأنت؟
قال محمد:
— دائرة العلم والوقف لا بد أن تحفظ ثلاثة أصول:
أن لا يُقطع الخبز عن وجهته باسم الحذر،
وأن لا يُستغل الوقف لتلميع الاسم حتى يفسد المقصد،
وأن يبقى العلماء قادرين على مخاطبة الناس بلغةٍ تمنعهم من الفوضى وتمنعهم من الجبن في آن.
ثم أضاف:
— والعلماء يجب أن لا ينقسموا الآن إلى من يبالغ في التثبيت حتى يجرّ الناس إلى ما لا يطيقون،
ولا إلى من يبالغ في الحذر حتى يميت فيهم روح الوقوف.
بل لا بد من لسانٍ يضبط حرارة الدم بحرمة المقصد.
ثم أشار سعيد إلى صفية.
قالت:
— دائرة النساء والبيوت هي أول خط دفاعٍ إذا اشتدت السلطة.
فإن خافت النساء بلا ترتيب،
انسحب الرجال إلى بيوتهم وهم يسمعون في عيون زوجاتهم وأمهاتهم ما يهزمهم.
وإن ثبتت النساء بلا فقه،
دفعن رجالهن إلى تهورٍ لا يحتملونه.
وأنا أريد للبيوت أن تفهم أن دورها هو:
أن تحفظ المعنى،
وتحفظ السر،
وتمنع الفزع من أن يصير لغةً يومية،
وتحفظ الأطفال من أن يكبروا وهم يسمعون الخوف أكبر من الحق.
وساد في المجلس صمتٌ عميق،
لأن الجميع فهموا في تلك اللحظة أن ما يجري ليس مجرد ترتيب مواجهة،
بل هندسة مجتمع.
ثم قال سعيد:
— وأما الدائرة الرابعة…
فتوقف قليلًا، ثم أضاف:
— فهي أخطر مما يظنه بعضكم.
لأن البوسنة ليست وحدها في هذا الطريق.
إن فتحت مكة بابها لأحمد،
وثبت البيت السعودي في بابه معنا،
وتقدم أمر فاطمة على صورة صحيحة،
فإننا لا نكسب بذلك جاهًا فقط،
بل نكسب ظهرًا أخلاقيًا وتاريخيًا وروحيًا يمنع مشروعنا من أن يبدو مشروعًا محليًا معزولًا يمكن ابتلاعه ثم نسيانه.
وكانت هذه أول مرة تُقال فيها الصورة كاملة على هذا الوضوح.
ونظر عبدالملك إلى أبيه، وأحس لأول مرة على وجهٍ أشد أن الدولة التي يقترب منها ليست جيشًا وعرشًا وحدودًا فقط،
بل خيوطٌ في القلوب،
وفي العلماء،
وفي النساء،
وفي الحرمين،
وفي البيوت الكبيرة،
وفي الدم الذي دخل الطريق.