الجزء الحادي والثلاثون: زمنُ الإعلان

الفصل المئتان وأربعة وستون: السلطة ترى… ولا تضرب بعد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وأربعة وستون: السلطة ترى… ولا تضرب بعد

كان من الممكن، لو كانت السلطة أقل دهاءً وأكثر حمقًا، أن تحاول فضّ الساحة في لحظتها.
لكن من كان يراقب من عيونها فهم أن الضرب في هذه اللحظة بالذات قد يصنع لعبدالملك ما لا يريدون صنعه:

قد يحول البيعة إلى دمٍ جماعي،
والناس إلى مظلومين ظاهرين،
والشيوخ والعلماء إلى شهداء أو مسجونين على مرأى من الجميع،
وذلك كله يخرج المشروع من طور التشكّل إلى طور الانفجار الذي قد لا يملكونه.

ولهذا، لم يضربوا.

بل وقفوا يكتبون،
ويراقبون،
ويرسلون الأخبار إلى فوق:
أن الأمر قد خرج،
وأن سعيد قد قدّم،
وأن عبدالملك قبل،
وأن الوجوه بايعت،
وأن النساء والقرى والعلماء كانوا حاضرين،
وأن هذا لم يعد يمكن أن يُتعامل معه كحادثةٍ محلية عابرة.

وكانت هذه من أهم لحظات الصراع كلها:
أن ترى السلطة المشهد،
وتعرف أنه وقع،
ولا تملك أن تمنعه من دون أن تفتح على نفسها بابًا أكبر.

أما عبدالله، فقد التقط هذا من أول النظرة.
ورأى أن امتناعهم عن الضرب ليس ضعفًا مطلقًا،
بل تأجيلًا لردٍّ سيكون أشد ترتيبًا وأعمق غدرًا غالبًا.

فلما انفضت الساحة، اقترب من عبدالملك، وقال:
— لا تفرح لأنهم لم يضربوا.
فقد رأوا أكثر مما نريدهم أن يروا.
أجابه أخوه، وقلبه لا يزال تحت وطأة اللحظة:
— أعلم.
— ومن اليوم، تبدأ مرحلة جديدة.
— أعلم أيضًا.
ثم سكتا، لأن الكلام كان أقل من أن يحمل ما في تلك الساعة من معنى.

أما سعيد، فكان أكثر الناس سكونًا بعد المشهد.
فقد رأى بعينه اليوم ما كان يراه في الغيب والتربية سنين:
رأى يده تترك يد ابنه،
ورأى الناس يضعون أيديهم فيها،
ورأى أن المشروع خرج من بيتهم إلى صدر البوسنة.

لكنه لم يبتسم ابتسامة المنتصر.
بل كانت على وجهه مهابةٌ أشبه بحزنٍ جميل.
ولما سألته صفية لاحقًا:
— ماذا رأيتَ اليوم؟
قال:
— رأيت أن الله أخرج ما كان في الغيب إلى الناس…
ولهذا أخاف الآن أكثر مما كنت أخاف قبل.