الفصل المئتان وثلاثة وستون: البيعة العلنية الأولى
بعد كلام عبدالملك، لم يحتج الناس إلى صيحةٍ تنظّمهم.
بل نهض أولًا الشيخ يونس،
ثم عبدالرؤوف،
ثم حسان،
ثم وجوه القرى،
ثم رجالٌ من الصفوف الثانية والثالثة،
ثم رجال لا تعرفهم الساحات عادةً، لكن تعرفهم الطرق والمخازن والبيوت.
مدّ الشيخ يونس يده وقال:
— أشهد الله أني معك على هذا العهد.
ثم تبعه العالم:
— وعلى أن نردك إلى الحق إن مِلتَ، ونثبت معك إن ثبتَّ.
ثم التاجر:
— وعلى أن يكون مالي مع هذا المشروع في موضعه، لا سيدًا عليه.
ثم شيخ قرية:
— وعلى أن لا أبيع قريتي خوفًا إذا جاء يوم الاختبار.
ثم آخر، وآخر.
وفي الطرف الآخر من الساحة،
كانت النساء لا يمددن الأيدي كما يمدها الرجال،
لكنهن كنّ يفعلن شيئًا لا يقل عنها:
كنّ يخرجن من وجوههن معنى القبول،
وتخرج بعضهن همسات الدعاء،
وبعضهن تبكي،
وبعضهن تنظر إلى صفية كأنها تقول لها:
لقد دخلنا معكم.
أما صفية، فقد ظلت واقفة لا تتحرك كثيرًا.
وكان من ينظر إليها يرى امرأةً لا تستعرض دمعتها،
ولا تخفيها حتى تكذب،
بل تقف في تلك اللحظة كأمٍّ للعهد كله.
اقتربت مريم منها، وقالت بصوتٍ خفيض:
— يا أمي…
أهذا هو اليوم الذي كنتِ تخافينه؟
نظرت إليها صفية، وقالت:
— نعم…
وهو أيضًا اليوم الذي كنت أدعو أن يأتي ونحن على بصيرة.
أما فاطمة، فكانت تنظر إلى أخيها وإلى الساحة وإلى الرجال والنساء والوجوه والبيعة، وتشعر أن الباب الذي يقترب منها إلى البيت الملكي لم يعد باب زواجٍ فقط،
بل صار جزءًا من زمنٍ كامل يتبدل.
ولم يكن في الساحة رجلٌ واحد فقط يرى هذا.
فحتى عيون السلطة التي جاءت لتكتب وتراقب، فهمت أنها لم تعد أمام تجمعٍ يمكن أن يُفضّ بتهديدٍ لفظي.
لقد وقع ما كانوا يخافون وقوعه:
خرج الاسم،
واجتمعت عليه البيعة علنًا.