الجزء الثلاثون: بابُ الاقتراب من الإعلان الكبير

الفصل المئتان وأربعة وخمسون: مجلس الوجوه الكبرى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وأربعة وخمسون: مجلس الوجوه الكبرى

جاء المجلس الذي كانت البوسنة كلها تتقدم نحوه من غير أن تعلن ذلك.

مجلسٌ ليس كسابقاته،
لأن الحاضرين فيه لم يعودوا من الوجوه المترددة،
بل من أولئك الذين إذا خرجت أسماؤهم مع اسم عبدالملك، عرف الناس أن الأمر تجاوز طور الرجاء إلى طور المعنى العام.

كان في المجلس شيوخ كبار،
وعلماء،
وتجار من أهل الوزن،
ووجوه من قرى لها أثر في الطرق والمزارع،
ورجال ممن تثبتت دوائر عبدالله أنهم لا يقولون اليوم ما يتراجعون عنه غدًا.

جلس سعيد أولًا، ثم عبدالملك عن يمينه أو قريبًا من الصدارة، وعبدالله في موضعٍ يستطيع أن يرى من خلاله المجلس كله، كأنه يقيس في الوجوه لا الكلمات فقط.

بدأ الشيخ عبدالرؤوف الكلام، وقال:
— ما بيننا اليوم ليس مشاورةً عابرة.
لقد سبقها دم،
وسبقها خوف،
وسبقها خطاب،
وسبقها اصطفاف،
وسبقتها وجوه خرجت إلى الشمس.
فإما أن نكون اليوم قومًا نعرف ماذا نكتب بأسمائنا،
وإما أن نرجع إلى التردد الذي لا يرحم صاحبه إذا جاء أوان القرار.

ثم سكت، والتفت إلى سعيد:
— قد سألنا قبلك: متى؟
فسألتنا: من يخرج أولًا؟
واليوم جئنا نقول:
خرجنا بقدر ما استطعنا.
فما الذي بقي؟

نظر سعيد إلى الوجوه طويلًا.
ثم قال:
— بقي أن تعرفوا أن الخطوة التي بعدها لا تُؤخذ بدفع الحماسة وحدها.
إنها ليست بيعة مجلس،
بل إعلان انتقال.
فإن أعلناه قبل أن نعرف كيف نحفظ الناس والطرق والأوقاف والنساء والبيوت والعلم، جعلنا الحق نفسه يتعثر.
وإن أخرناه بعد أن استكملت الأرض أسبابها، ظلمنا البلاد به.

ثم سكت، وأردف:
— وأنا اليوم لا أقول لكم: قد حان.
ولا أقول: لم يحن.
لكنني أقول:
قد بقي بيننا وبين الإعلان الأكبر خطوة واحدة.

كان وقع الجملة في المجلس أشبه بطرق المطرقة على معدنٍ تم إحماؤه طويلًا.

قال تاجر كبير:
— وما هذه الخطوة؟
أجاب سعيد:
— أن تخرج الوجوه الكبرى باسمها صريحًا، لا في المجالس المغلقة فقط.
أن يعرف الناس أن علماءهم،
وتجارهم،
وشيوخهم،
ووجوه قراهم،
قد قرروا أن يقولوا:
إن عبد الملك ليس رجل نوازل فقط،
بل رجل المرحلة.
فإذا خرج هذا، لم يعد بعده للاختباء موضع.

وساد صمتٌ عميق.

فالجميع يعلم أن هذا هو العتبة التي تفصل بين مشروعٍ يتشكل، وبين إعلانٍ يدخل به في وجه الدولة القائمة صريحًا.

ثم تكلم الشيخ يونس، وقال:
— أنا شيخ كبير، ولا أرى لنفسي بعد هذا العمر إلا أن أموت على كلمةٍ أعرف أنها لله.
وأقولها الليلة مرةً أخرى، ولكن هذه المرة في مجلسٍ أكبر:
إذا جاء يوم إعلان الاسم، فاسمي معه.
ثم تبعه آخر، ثم آخر.

وكانت هذه المرة مختلفة.
لأن الكلام لم يعد يخرج على صورة انفعالٍ أول، بل على صورة رجالٍ عرفوا الثمن ثم قبلوه.

وحين انفضّ المجلس، لم يقل أحدٌ كلمةً زائدة.
فاللحظات العظيمة إذا خرجت من أفواه الرجال الصادقين، لا تحتاج كثير ضجيج بعدها.