الجزء الثلاثون: بابُ الاقتراب من الإعلان الكبير

الفصل المئتان واثنان وخمسون: بيت سالم… حين صارت هند أمًّا لمعنى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان واثنان وخمسون: بيت سالم… حين صارت هند أمًّا لمعنى

في صباح اليوم التالي، ذهبت صفية بنفسها إلى بيت سالم.

لم تذهب وحدها، بل اصطحبت معها مريم، وبعض النساء الثقات، وما يكفي من الهدوء والستر قبل أن تصطحب شيئًا من المال أو الطعام.
فهي كانت تعرف أن بعض البيوت لا تحتاج في اللحظة الأولى إلى كثرة المؤن بقدر ما تحتاج إلى من يقول لها:
أنتم لم تصيروا بقايا رجلٍ مات، بل صرتم أهلَ معنى سيُحفظ.

كان بيت سالم صغيرًا، متواضع الجدران، لكن داخله كان ممتلئًا بثقل الغياب.
الأطفال لا يفهمون تمامًا، لكنهم يعرفون أن البيت نقص منه صوتٌ وحركةٌ وظلّ.
وهند، زوجته، كانت جالسة كما تجلس النساء حين تكون الدموع في العينين أكثر انتظامًا من أن تسقط كلها دفعةً واحدة.

دخلت صفية، وجلست قريبًا منها، لا في موضع مَن يواسي من أعلى، بل في موضع من يعرف أن الجرح إذا احترم كرامة صاحبه، دخل إليه الشفاء من جهةٍ لا يراها كثير من الناس.

قالت صفية:
— جئتُكِ اليوم لا لأقول: اصبري فقط.
بل لأقول: من هذه اللحظة، هذا البيت بيتنا كما كان قبل الأمس وأكثر.
إن كان سالم قد خرج منا إلى الله، فلا يجوز أن يخرج أهله من قلوبنا إلى الفقد.

بكت هند هذه المرة.
لا بكاء انهيار، بل بكاء المرأة التي كانت ثابتةً بما يكفي لتتحمل، ثم جاءها كلامٌ أمين فأعطاها حق أن تضعف قليلًا من غير أن تسقط.
وقالت:
— كان يقول لي دائمًا:
إن متُّ، فلا تجعلي أولادي يظنون أنني متُّ لأجل لا شيء.
سكتت صفية، وشعرت أن الكلام نفسه خرج من قبره.
ثم قالت:
— لن يظنوا هذا ما دمنا أحياء.
سنحفظ لهم كيف مات أبوهم، لا على أنه ضحيةٌ ضاعت، بل على أنه رجلٌ حمل الطريق حتى آخر نفس.

جلست مريم في طرف المجلس تسمع، وكانت هذه من اللحظات التي يكبر فيها عقل البنات أكثر مما تكبره الأعوام.
فهي ترى الآن أمها لا وهي توزع خيرًا، بل وهي تبني ذاكرة لبيتٍ صغير حتى لا يأكله الحزن من جهة، ولا يسرق الناس معنى موته من جهة أخرى.

ثم قالت صفية لهند:
— أريدكِ في الأيام القادمة أن لا تختبئي من النساء.
بل اجلسي بينهن حين تقدرين، وقولي لهن ما ينبغي أن يسمعنه:
أن الرجل إذا خرج في طريق الحق، لم يخرج ليترك أهله للضياع.
وأن البيت الذي يصنع الرجال لا ينسى نساءهم إذا سبقوهم إلى الله.
نظرت هند إليها، وفي عينيها أول شرارةِ معنى بعد الصدمة، وقالت:
— أفعل.
لكنني أخاف أن يخذلني قلبي إذا وقفت.
فقالت صفية:
— بل خذي قلبك معك.
لا تقفي على صورة النساء اللواتي لا يبكين.
ابكي إن احتجتِ، لكن لا تدعي البكاء يسرق من كلامك حقّه.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد هند فقط “زوجة سالم الشهيد”،
بل صارت في عيون كثير من نساء البوسنة أمًّا لأول معنى الشهادة في هذا الطريق.
وكان لهذا أثرٌ لا يقل عن أثر مجالس الرجال.