الفصل المئتان وخمسون: بداية العدّ الحقيقي
في الأيام التي تلت، لم تعد البيوت والقرى والأسواق تتكلم كما كانت.
صار في البلاد إحساسٌ جديد:
أن الدم قد دخل،
والوجوه قد خرجت،
والحرم قد بدأ يسمع،
والبيت الملكي قد بدأ يقترب،
والسلطة قد أعلنت خوفها،
والبيت نفسه لم ينكسر.
وهذه كلها معًا ليست أحداثًا متفرقة بعد الآن،
بل عدٌّ حقيقيٌّ لزمنٍ جديد.
بدأت بعض القرى ترسل رجالًا تثبت أسماءهم في الدائرة الأولى من الوقوف.
وبدأ بعض العلماء يوسعون لغة الثبات في الناس من غير تصريحٍ يقدّمهم قربانًا قبل أوانه.
وبدأت النساء يحفظن البيوت من أن تصير وكرَ خوف.
وبدأت طرق الرجال تُعاد كتابتها، لا على هيئة شبكة خيرٍ فقط، بل على هيئة شبكة صمود.
وكان عبد الله في قلب ذلك كله،
والدم الأول لا يفارقه.
كل اسمٍ يكتبه،
كل طريقٍ يعدله،
كل بيتٍ يسأل عنه،
كان يسمع وراءه في أذنه شيئًا من آخر ما قاله سالم:
“لا تدع الطريق…”
وأما محمد، فكان يزداد رسوخًا كلما اضطرب الخارج.
حتى قال فيه بعض الشيوخ:
— هذا من الرجال الذين إذا كثرت النار خارجهم، ازداد عقلهم بردًا، لا جمودًا.
وكان سعيد يرى فيه أحد الأعمدة التي ستمنع الدولة القادمة — إذا قامت — أن تأكلها العجلة أو الاضطراب.
وأما فاطمة، فبدأت ترى أن اقتراب بابها لا ينفصل عن الدم والبلاد والبيت.
ولذلك، لم تكن أفراحها بريئة من الوعي،
وكان هذا من أجمل ما فيها.
وأما صفية، فكانت في تلك الأيام تمشي في البيت كما تمشي امرأةٌ تعرف أن السنين كلها اجتمعت لتختبر قلبها دفعةً واحدة.
ابنٌ يقترب من المُلك،
وابنٌ يقف في أول أبواب الحرم،
وابنٌ يشتد علمه،
وابنٌ يحمل خيوط الرجال،
وابنةٌ تقترب من بيت الملك،
وبناتٌ يدخلن أدوارهن،
وزوجٌ يسلّم ويثبت،
وشهيدٌ أول دُفن وفي قلبها وصيته.
ومع ذلك، لم تكن تنكسر.
كانت فقط، كلما دخل الليل، تقف تصلي وتقول:
— يا رب،
لقد بدأ العدّ الحقيقي.
فلا تجعلنا نضيع في منتصفه.
وفي آخر تلك المرحلة، جلس سعيد ببيتِه كله — من يليق به الحضور — وقال جملةً لم تكن ككل ما سبقها:
— من اليوم، لا أقول: نحن نقترب.
بل أقول:
لقد دخلنا العدّ إلى الإعلان.
وساد الصمت.
فهم الجميع معنى الجملة بطريقتهم:
عبد الملك فهم أن الطريق لم يعد يسمح له أن يكون رجل الواجهة فقط، بل رجل القرار القادم.
عبد الله فهم أن ما يحمله من خيوط سيصير أثقل وأخطر.
محمد فهم أن العلم سيُطلب منه أن يكون سندًا لا زينة.
والبقية فهموا أن البيت لم يعد ينتظر قدرًا من بعيد، بل صار يمشي نحوه بقدميه.
ومن هنا، ينتهي زمن السؤال:
من أول من سيدفع الدم؟
فقد دُفع.
ويبدأ زمنٌ أشد:
كيف يُبنى الإعلان فوق الدم من غير أن تبتلعه الرغبة في الثأر؟
وكيف يخرج عبد الملك إلى موضعه الكامل،
من غير أن يحرق البلاد ولا تُحرق به؟
وهذا هو باب المرحلة القادمة:
باب الاقتراب من الإعلان الكبير.