الفصل المئتان وسبعة وأربعون: أحمد يسمع اسم الشهيد في مكة
وصل خبر سالم إلى مكة.
لكنّه وصل لا كما تصل الأخبار السياسية الصاخبة، بل وصل في رسالة قصيرة من البيت، وفي كلمةٍ من أبيه، وفي سطرٍ من يد أمه، كأنهم أرادوا أن يبلغوه الحقيقة من غير أن يُغرقوه في الألم وهو في موضعٍ يحتاج منه ثباتًا آخر.
قرأ الرسالة ليلًا.
وكان في مسجدٍ من مساجد مكة أو في سكنه القريب من أهل العلم، وقد فرغ لتوه من مجلس قراءةٍ أو درس.
ولما وقع بصره على اسم سالم، أحسّ أن المسافة بين مكة والبوسنة انطوت دفعةً واحدة.
رأى في خياله الطرق، والثلج، والفتى الذي كان يحمل الرسائل، والبيت الذي بدأ يدفع ثمن ظهوره، ثم نظر إلى الحرم، وشعر أن النور إذا لم يبكِ على الدم صار ناقصًا.
جلس طويلًا لا يتحرك.
ثم قام إلى موضعٍ قريب من الكعبة أو من حاشية المسجد، وصلى.
وفي سجوده، لم يطلب لسالم الرحمة فقط، بل طلب لنفسه أن يفهم لماذا جمع الله له في آنٍ واحد باب الحرم وباب الدم في بيته.
وفي اليوم التالي، سأله الشيخ الذي يرعاه هناك:
— ما بالك؟
فأخبره.
فسكت الشيخ، ثم قال:
— يا أحمد،
الذين يفتح الله لهم أبواب الحرم في أزمنة الآلام، لا يفتحها لهم ليهربوا من أوجاع الأمة،
بل ليحملوا من نور الحرم ما يعينهم على أن لا تتحول دماء أهلهم إلى ظلام.
ثم أضاف:
— فإذا قرأت بعد اليوم، فلا تنسَ أن وراء صوتك الآن دمًا دخل الطريق.
ومن قرأ والدم خلفه، إن صدق، خرج من صوته شيءٌ لا يخرج من صوتٍ لم يعرف الثمن.
وكانت هذه العبارة من أخطر ما سمعه أحمد في مكة.
فمنذ تلك اللحظة، لم يعد يرى طريقه إلى الحرم طريقًا شخصيًا نقيًا من التاريخ، بل صار يراه جزءًا من سندٍ روحي لمشروعٍ بدأ يدفع ثمنه.
وكتب إلى أمه:
“بلّغيني موضع قبره إذا استطعتم،
فإني أريد أن أحفظ اسمه في دعائي كلما وقفت.”
وحين قرأت صفية الرسالة، ضمّتها إلى صدرها، وقالت:
— الحمد لله…
لم يبعده الحرم عن الدم، بل زاده وفاءً له.