الجزء التاسع والعشرون: أول الدم

الفصل المئتان وستة وأربعون: عبدالله… من الظلال إلى سجلّ الدم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وستة وأربعون: عبدالله… من الظلال إلى سجلّ الدم

بعد الجنازة، عاد عبد الله إلى عمله بطريقةٍ لم يعد فيها الشيء كما كان من قبل.

فقد كان إلى الأمس يضبط الرجال، ويرتب الطرق، ويعرف مواطن الضعف، ويحفظ الأسرار.
أما اليوم، فقد دخل عليه عنصرٌ جديد:

سجلّ الدم.

صار عليه أن يعرف:
من الذي رأى؟
ومن الذي تكلّم؟
وأين نُصب الكمين؟
ومن أين جاء الرجال؟
ومن الذي ربما سرّب حركة سالم؟
وهل كان المقصود سالمًا نفسه لأنه من رجال الطريق،
أم الرسالة،
أم الطريق كله اختبارًا للردّ؟

كان يعلم أن هذا العمل إذا أُخذ على صورة انتقامٍ سريع، ضاع فيه كثير من الحق.
ولذلك، لم يندفع إلى الظنون، ولا سمح لعبد الملك أن يندفع معها، رغم أن النار في أخيه كانت مشروعة.

قال له:
— إن قتلوا رجلًا من رجالنا، فلا نعطهم رجلين من عقولنا في المقابل.
نظر إليه عبد الملك بوجعٍ لم يكن خافيًا:
— وأنا لا أطيق أن أرى دمه بلا جواب.
فقال عبد الله:
— وسيكون له جواب.
لكن ليس كل جوابٍ هو سيف.
أحيانًا أول جوابٍ للدم أن تعرف من أين جاء بدقة، حتى لا تضرب ظلًا فيضحك القاتل الحقيقي من خلفك.

ثم بدأ يبني شبكةً أوسع من العيون الهادئة.
لا عيون الوشاية الرخيصة،
بل عيون الرجال الذين يعرفون الطرق،
والنساء اللواتي يرين من خلف النوافذ أكثر مما يظن الرجال،
والصبية الذين لا يُلتفت إليهم كثيرًا،
وأهل السوق الذين يسمعون إذا باع القاتل خوفه على هيئة تباهٍ أو سُكر.

وفي الليالي الطويلة، كان عبد الله يعود إلى داره أو مجلسه وقد دخل عليه من وجوه الناس وألسنتهم ما يجعل الشاب يشيخ لو لم يكن له من الله ما يربطه.

ورأت صفية في وجهه ذلك.

فقالت له مرة:
— أنت تتعب في موضعٍ لا يصفق له الناس.
فابتسم ابتسامةً شاحبة:
— وأخاف أحيانًا أن أعتاد هذا حتى أنسى أنني أتعب.
قالت:
— لا تنسَ إذن.
لكن لا تجعل تعبك يفسد رحمتك.
فإن الذي يكثر نظره في الوجوه والنيات والضعف، قد يقسو إذا لم يذكر أن الناس بشر.
أطرق، وقال:
— أبي قال لي هذا أيضًا.
فقالت:
— وأنا أكرره لأن طريقك هذا لا ينجو إلا إن بقي فيه قلب.

ومنذ ذلك اليوم، صار عبدالله يدوّن في نفسه لا الرجال والطرق فقط، بل الموت الأول أيضًا.
وعرف أن المشروع كله انتقل من طور الكلام المحسوب إلى طورٍ لا يُكتب فيه التاريخ بالحبر وحده.