الفصل المئتان وثلاثة وأربعون: حين دخل أول الدم إلى البيت
دخل الخبر إلى بيت سعيد كما تدخل الصاعقة في الليل:
لا بضوضاء طويلة،
بل بضربةٍ واحدة تغيّر بعدها شكل الهواء كله.
كان عبد الله أول من عرف بالصورة الكاملة.
رأى الفتى المرتجف، والرسالة في يده، والدم في ثوبه، والعينين اللتين لم تعودا عيني طفلٍ خرج إلى مهمةٍ بسيطة، بل عيني شاهدٍ على أول لحظةٍ من لحظات الانعطاف.
قرأ الرسالة، وسمع ما بقي من الخبر، ثم أغمض عينيه لحظةً قصيرة.
ولم يكن الوقت وقتَ فزعٍ ظاهر، بل وقتُ ترتيب.
دخل على أبيه.
كان سعيد جالسًا مع محمد في بعض شؤون الوقف والرجال، فرفع رأسه من أول ما رأى وجه ابنه.
وقال:
— ما الذي وقع؟
أجاب عبدالله بصوتٍ انخفض أكثر من عادته:
— وقع أول الدم.
لم يتحرك وجه سعيد كثيرًا، لكنه شحب من الداخل شحوب من يعرف أن الجملة التي كان ينتظرها منذ أشهر قد جاءت أخيرًا.
قال:
— من؟
— سالم.
وساد الصمت.
كان اسم سالم في هذا البيت اسمًا من تلك الأسماء التي لا تُذكر كثيرًا في الواجهات، لكنها تسكن في قلب العمل الحقيقي.
ولذلك، كان وقع الخبر أثقل من أثر مقتل رجلٍ مشهور أحيانًا.
لأن المشهور قد تبكيه الألسنة،
أما هذا الصنف من الرجال فتبكيه الأعمدة.
سأل سعيد بسرعةٍ محسوبة:
— الرسالة؟
— وصلت.
— والفتى؟
— نجا.
— وسالم؟
خفض عبدالله بصره، وقال:
— بين الحياة والموت… إن أدركناه.
نهض سعيد فورًا.
وقال:
— اخرجوا إليه.
لكن عبد الملك كان قد دخل في اللحظة ذاتها، وقد وصلته أطراف الخبر، ولم يحتج إلى شرح طويل ليفهم.
قال:
— أنا ذاهب.
نظر إليه أبوه، ولم يمنعه.
بل قال:
— اذهب.
لكن لا تذهب وغضبك أمامك.
اذهب وقلبك يعرف من الذي خرج باسمه الرجل.
ثم أضاف:
— وإن كان قد قضى، فلا تجعل أول الدم يخرج منا صورة فوضى.
أريد من الناس أن يروا ما الذي قُتل اليوم… لا أن يروا فقط كيف نصرخ له.
وخرج عبد الملك ومعه نفرٌ من الرجال.
أما صفية، فقد عرفت من الوجه وحده هذه المرة أن شيئًا لا يشبه ما قبله دخل البيت.
دخلت على سعيد، ورأت في عينيه ما يكفي، وقالت:
— من؟
أجاب:
— سالم.
أطرقت، وأغمضت عينيها، ثم قالت:
— الحمد لله الذي جعل أول الدم من رجلٍ خرج في الطريق لا في الغفلة.
وكانت هذه العبارة وحدها تكشف أي معدنٍ كانت عليه هذه المرأة.
فهي لم تنكر الوجع،
لكنها فهمت من أول لحظة أن الدم إذا دخل القصة، فلا بد أن يُفهم في موضعه من الحق، لا في مجرد الألم.