الجزء الثامن والعشرون: الوجوه التي خرجت إلى الشمس

الفصل المئتان وثمانية وثلاثون: محمد… أول من قال عنه العلماء “هذا أهلٌ للفتوى إذا استكمل”

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثمانية وثلاثون: محمد… أول من قال عنه العلماء “هذا أهلٌ للفتوى إذا استكمل”

أما محمد، فقد كان طريقه يأخذ صورته ببطءٍ أشد، لكن بعمقٍ أوضح.

ففي مجلس علمٍ كبير حضره بعض الوافدين من الأمصار، ودار فيه نقاش عن مسألة تتعلق بالأوقاف والولاية والحقوق بين السلطة والرعية، سأل أحد الشيوخ محمدًا عن تفصيلٍ دقيق في كيفية الموازنة بين حفظ الأصل ورفع الظلم إذا اختلط المال العام بالمال الخاص وبما يُدّعى أنه حق للسلطة.

تكلّم محمد.

لم يُكثر،
ولم يأتِ بعباراتٍ براقة،
بل فرّق بين المقامات:
ما لله،
وما للناس،
وما للضرورة،
وما للباطل الذي يلبس لباس الضرورة.
ثم قال كلمةً علقت في المجلس:

— إذا صار الخوف من السلطان سببًا لتغيير نية الوقف أو مساره كله، فسد الوقف من حيث ظن الناس أنهم يحمونه.
فالخوف يُراعى في الوسائل،
لكن لا يُسلَّط على المقاصد.

ساد الصمت.

ثم قال شيخ من الشيوخ الكبار:
— هذا الغلام…
إن استكمل ما هو فيه، فهو أهلٌ للفتوى لا الحفظ فقط.

وكانت هذه الشهادة من النوع الذي لا يقال كثيرًا، ولا يُلقى مجاملة.

ولما بلغ الخبر البيت، لم يحتفل به أحدٌ على الصورة الساذجة التي يظن الناس أن البيوت تفرح بها.
بل قال سعيد:
— الحمد لله.
ثم التفت إلى محمد نفسه، وقال:
— الآن يبدأ عليك خوفٌ جديد.
— ما هو؟
— أن يحبك الناس لعقلك،
فتُعجب أنت بعقلك أكثر مما تخاف عليه.
فإياك.
العقول الكبيرة إذا فُتحت لها أبواب الهيبة، احتاجت إلى تواضعٍ مضاعف.

أطرق محمد، وقال:
— أسأل الله أن يبقيني طالبًا لا مالكًا.
فتبسم أبوه، وقال:
— وهذه أفضل بداية.