الجزء الثامن والعشرون: الوجوه التي خرجت إلى الشمس

الفصل المئتان وثلاثة وثلاثون: السؤال الذي لا يجيب عنه رجلٌ وحده

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثلاثة وثلاثون: السؤال الذي لا يجيب عنه رجلٌ وحده

ظلَّ كلام سعيد في المجلس الأخير يرنّ في الصدور أيامًا طويلة:

“بقي شيءٌ واحد… أن نعرف من أول من سيقف علنًا إذا قامت الساعة.”

وكانت هذه الجملة، على قصرها، أشد وقعًا من كثير من الخطب.
لأنها نقلت الأمر من منطقة الرجاء إلى منطقة الثمن.
فالناس يحبون أن يقولوا في المجالس المغلقة:
نحن معك.
ويحبون أن يضعوا أيديهم في الأيدي إذا أمنت الأسقفُ عيونَ الخوف.
لكن الساعة التي يخرج فيها الرجل إلى الضوء، ويعلم أن اسمه سيُكتب مع اسم صاحبه، وأن السلطة ستعرف وجهه وقرية أولاده وطريق خبزه، تلك ساعة أخرى تمامًا.

وفي البوسنة، كان الجميع يعرفون ذلك.

عرفه التاجر الذي يملك مخزنًا صغيرًا ويخاف أن تُغلق عليه السوق.
وعرفه شيخ القرية الذي لا يخاف على نفسه بقدر ما يخاف على أحفاده.
وعرفه العالم الذي يعلم أن كلمةً واحدة قد تُضيّق عليه موضع درسه أو تفتح عليه باب تهمة.
وعرفته النساء أيضًا، لأن الاسم إذا خرج من فم الرجل في الضوء، عاد إلى البيت ليلًا فيأكل من نوم المرأة إن لم تكن تعرف كيف تُعين قلبه على الثبات.

ولهذا، لم يتعجل سعيد الجواب.

لم يجمع الرجال في ساحة ويقل لهم:
من منكم معي؟
لأن هذا النوع من الأسئلة، إذا قيل على صورة التحدي، يخرج من الناس أجوبة الحماسة لا أجوبة المعدن.
وهو كان يريد المعدن.

بل بدأ من جديد — كما يفعل الرجال الكبار إذا اقتربت الساعات العظيمة — يختبر القلوب في اليومي قبل أن يطلب منها الوقوف التاريخي.

أرسل عبدالله إلى بعض القرى لا يحمل رسائل صريحة، بل يحمل أسئلة صغيرة:
كيف حال الناس بعد القرار؟
هل تغيّر لسان السوق؟
من الذي صار يهمس أكثر مما كان؟
من الذي قال في مجلسه الصغير: “أنا لا أتأخر إذا جاء اليوم”؟
ومن الذي صار إذا ذُكر اسم عبدالملك نظر حوله قبل أن يتكلم؟

وأرسل سعيد بنفسه إلى شيخين من شيوخ القرى، وإلى تاجر كبير، وإلى عالم من أهل الفقه والقلوب، يدعوهم إلى مجلسٍ لا يكثر فيه الحضور، لكن يكثر فيه الوزن.

أما عبدالملك، فقد بقي في تلك الأيام على حالٍ مركبة.
لم يكن ساكنًا، بل كان يتحرك في القرى، ويحمل هموم الطرق، ويتابع ما جرى بعد القرار والخطاب، لكن شيئًا في داخله صار أثقل.
فهو يعرف الآن أن المرحلة القادمة لن تختبره فقط في نفسه، بل في قدرة الآخرين على أن يربطوا أسماءهم باسمه.

وذات مساء، دخل على أبيه فوجده جالسًا عند نافذة تطل على جزء من الأرض، وقد خفَّ الضوء في الخارج وصار كل شيءٍ يبدو كأنه يمهِّد للّيل.

قال:
— أراك تنتظر شيئًا.
أجاب سعيد دون أن يلتفت أولًا:
— أنتظر الرجال.
جلس عبدالملك، وسكت قليلًا، ثم قال:
— أتعلم ما أخشاه؟
— ماذا؟
— أن يكون حبهم لي أقل من أن يتحمل ضوء المواجهة.
التفت إليه أبوه هذه المرة، وقال:
— لا تخف من هذا على الإطلاق،
فالحب وحده لا يكفي في مثل هذه الساعات.
أنا لا أريد رجالًا يحبونك فقط.
أريد رجالًا يرون أن الوقوف معك وقوفٌ مع الله والعدل وحرمة البيوت والخبز والنساء والطرق.
فإن وقفوا لهذا، ثبتوا أكثر.
أما من وقف لشخصك وحده، فسيضعف إذا جاع ولده أو خاف بيته.

ثم أضاف:
— ولهذا لم أطلب بعدُ “من معي”،
بل طلبت: “من معه الحق إذا كان الثمن ظاهرًا؟”

وسكت عبدالملك، وأحسّ أن أباه يخفف عن قلبه شيئًا من الوهم الذي قد يدخل فيه بعض الشباب:
أن محبة الناس تكفي وحدها لحمل الملك.
والحق أن المحبة الجميلة تُفتن إذا لم تتحول إلى قناعةٍ أخلاقية وعقدة ضمير.