الجزء السابع والعشرون: من أعلن المواجهة أولًا؟

الفصل المئتان وثمانية وعشرون: الخطاب الثاني… خطاب الثبات

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثمانية وعشرون: الخطاب الثاني… خطاب الثبات

كان الموضع الذي اختير هذه المرة أوسع من موضع الخطاب الأول، وأشد توترًا في معناه.

ففي الخطاب الأول، كان عبدالملك يكلّم الناس من موضع الرجاء المنظم، ويعطيهم لغة المشروع.
أما هذه المرة، فقد كان الناس يأتون وفي صدورهم سؤال واحد:

هل نخاف… أم نقف؟

اجتمعوا.

ولم تكن الوجوه هذه المرة وجوه المستمعين فحسب، بل وجوه قومٍ يعرفون أن الكلمة التي ستقال قد تحدد سلوك الأيام التالية كلها.

وقف عبدالملك، وإلى طرف المشهد بعض العلماء، وفي الخلف غير البعيد رجال يعرفون أن عبدالله يتحرك بينهم كمن يمسك الخيوط من غير أن يُرى، وأن عيون سعيد ليست غائبة وإن لم يكن في الصدارة.

نظر عبدالملك إلى الناس طويلًا.
ولم يبدأ بشكوى السلطان، ولا بالحديث عن نفسه، بل بدأ من الموضع الذي وجده في قلوبهم:

— أيها الناس…
بلغتكم ورقة،
وأرادوا أن تبلغ قلوبكم معها رسالةً أكبر منها:
أن تخافوا من أن تبقوا كما عرفتم أنفسكم في الشدة.
وأنا اليوم لا آتيكم لأطلب منكم تهورًا،
ولا لأقول لكم إن الطريق لا ثمن له،
ولا لأدفعكم إلى كلمة لا تحملونها بعد غد.
لكنني أقول لكم شيئًا واحدًا:
إذا صار الخوف قانونًا في صدوركم، فلن تنفعكم ألف شجاعةٍ بعد ذلك.

كان الصمت في الناس عميقًا.
ثم تابع:

— لقد عرفتم العدل في الخبز،
وفي الطريق،
وفي الجسر،
وفي النزاع،
وفي اليتيم،
وفي بيوت النساء،
وفي المرضى،
وفي الشتاء.
فإن رضيتم أن تُردّوا اليوم إلى العمى لأن ورقةً كُتبت،
فقد ظلمتم أنفسكم قبل أن يظلمكم غيركم.

ثم رفع صوته قليلًا، لا صياحًا، بل ليبلغ آخر الصفوف:
— وأنا لا أقول لكم: اخرجوا إلى الفوضى.
ولا أقول لكم: اقطعوا الطريق.
ولا أقول لكم: اصطدموا حيث لا تُحسنون الصدام.
بل أقول:
اثبتوا.
لا تسحبوا أيديكم من الحق الذي عرفتموه.
لا تتراجعوا عن تعاونكم،
ولا تتركوا بيوتكم للهمس،
ولا تجعلوا الورقة أعظم من ضمائركم.
فإذا لزمكم أن تصبروا، فاصبروا معًا.
وإذا لزمكم أن تتكلموا، فتكلموا بحقٍّ لا بفوضى.
وإذا اشتدت عليكم الأيام، فاعلموا أن الطريق إلى العدل لا يفتحه قومٌ لا يعرفون الثبات.

ثم سكت قليلًا، وقال الجملة التي بقيت تُروى في البوسنة بعد ذلك طويلًا:

— أنا لا أطلب منكم أن تحملوني…
بل أطلب أن لا تُسقطوا أنفسكم حين يقترب الوقت الذي تُسألون فيه: مع من كنتم؟

ولم يكن الناس بعد هذه العبارة كما قبلها.

لم يخرجوا يهتفون في الساحات،
لكن كثيرًا من البيوت خرجت من الخطاب وقد اتخذت قرارًا داخليًا:
لن ترجع القرى إلى صمتها القديم.

وكان هذا أخطر من الهتاف نفسه.