الفصل المئتان وسبعة وعشرون: البيوت التي قالت لعبدالملك “اخرج”
أما الرجال، فقد كانت الورقة تفعل فيهم فعلها بسرعة.
بعضهم اشتدّ قلبه.
وبعضهم اضطرب.
وبعضهم صار يقول:
لعل الحكمة أن نتراجع قليلًا حتى تمرّ العاصفة.
وبعضهم قال:
بل إذا تراجعنا الآن، صاروا يعرفون أن ورقة تكفي لردّنا إلى بيوتنا.
كان سعيد قد أمر ألا يخرج عبدالملك إلى خطابٍ عام في اليومين الأولين، بل أن يبدأ بالوجوه.
لكنه لم يتوقع أن تسبقه القلوب إليه بهذه السرعة.
في قريةٍ من القرى السبع، ثم في قرية ثانية، ثم ثالثة، بدأت النسوة أنفسهن يقلن لرجالهن:
— إن سكتُّم اليوم، فمتى ستتكلمون؟
لقد وقف هذا البيت معنا في الجوع والمرض والبرد، أفنتركه وحده عند أول ورقة؟
وقالت بعض الأمهات:
— لا نريد لأبنائنا أن يتعلموا أن الخوف المكتوب على ورق الدولة أكبر من الحق الذي عاشوه بأعينهم.
وهكذا، حدث ما لم يكن شائعًا في مثل هذه البلاد:
خرج الطلب من البيوت قبل أن يخرج من المجالس.
وصار بعض الرجال يأتون إلى وجوه القرى والعلماء يقولون:
— لا بد أن يخرج عبدالملك إلى الناس،
لا ليثور،
بل ليمنع الورقة من أن تسبق قلوبنا.
بلغ الخبر سعيدًا.
نظر إلى عبدالله، ثم إلى عبدالملك، وقال:
— أرأيتما؟
إذا ثبتت النساء، لم تقدر الورقة أن تجعل البيوت قبورًا للرجال.
ثم التفت إلى ابنه:
— الآن… يمكنك أن تخرج.
لكن تذكّر:
ليس لأنك تهزم ورقةً بخطبة،
بل لأن الناس يطلبون منك أن تحرس فيهم ما بدأوا يحسّون أنهم يخسرونه:
شجاعة الوقوف.
خرج عبدالملك هذه المرة إلى الناس وقد تغيّر ميزان خروجه.
لم يخرج فقط لأنه يريد أن يردّ على قرار.
بل لأنه شعر لأول مرة أن البيوت نفسها تدفعه إلى الواجهة دفعًا.
وكان لهذا أثرٌ بالغ عليه.
قال لأبيه قبل أن يخرج:
— اليوم لا أشعر أنني أمشي إلى مجلس،
بل أشعر أنني أمشي إلى أمانةٍ خرجت من صدورهم تبحث عمن يحملها.
فقال سعيد:
— فاحملها على ركبتيك قبل كتفيك،
حتى لا تكسر ظهرك ولا تكسرها.